طريق تجاري بديل بين الصين وأوروبا يصطدم بعقبات خفية في القوقاز.. وميناء متعثر في جورجيا يكشف صراع نفوذ أكبر مما يبدو
موسكو – المنشر الإخبارى
طريق وُلد من رحم الأزمات… لكنه لم ينضج بعد
ظهر ما يُعرف بـ“الممر الأوسط” كأحد أهم البدائل الاستراتيجية التي حاولت القوى الدولية الدفع بها في مواجهة التحولات الجيوسياسية الأخيرة، خاصة بعد تصاعد التوترات مع روسيا والعقوبات الغربية عليها. الفكرة في جوهرها بسيطة: إنشاء طريق تجاري يربط الصين بأوروبا دون المرور بالأراضي الروسية، بما يقلل المخاطر السياسية ويمنح الدول خيارات أكثر مرونة.
لكن على أرض الواقع، تكشف الأرقام فجوة كبيرة بين الطموح والتنفيذ. فالممر لا يزال ينقل نسبة ضئيلة للغاية من حجم التجارة مقارنة بالممر الشمالي عبر روسيا، إذ لا تتجاوز قدرته الحالية نحو 6% فقط من طاقة ذلك المسار التقليدي. وهذا يعني أن المشروع، رغم كل الدعم السياسي والإعلامي، لا يزال في مرحلة “التجربة” أكثر منه بديلاً حقيقياً.
المشكلة هنا ليست في الفكرة، بل في البنية التحتية، وفي تعقيدات الجغرافيا، وفي شبكة المصالح الدولية المتشابكة التي تتحكم في كل كيلومتر من هذا الطريق.
شبكة معقدة من المسارات… لكنها هشة عند نقطة واحدة
يمتد الممر الأوسط عبر مسافة تقارب 4000 كيلومتر، ويعتمد على نظام نقل متعدد الوسائط، يبدأ من غرب الصين، مرورًا بدول آسيا الوسطى، ثم يعبر بحر قزوين، وصولًا إلى القوقاز، ومنها إلى البحر الأسود وتركيا، قبل أن يكمل طريقه نحو أوروبا.
هذه الشبكة المعقدة تبدو على الورق متكاملة، لكن الواقع يكشف أنها أشبه بسلسلة قوية… بها حلقة ضعيفة واحدة قادرة على كسرها بالكامل.
هذه الحلقة هي جورجيا.
فالممر، رغم امتداده عبر عدة دول، لا يمتلك حاليًا بوابة بديلة فعالة للوصول إلى أوروبا سوى الأراضي الجورجية. ولا توجد طرق مباشرة جاهزة عبر أرمينيا وأذربيجان نحو تركيا بسبب التعقيدات السياسية والصراعات الإقليمية. وبالتالي، تصبح جورجيا نقطة عبور إجبارية، وأي خلل فيها يتحول إلى أزمة هيكلية للمشروع كله.
ميناء أنكاليا… المشروع الذي يختصر الأزمة
في قلب هذه الأزمة يظهر اسم ميناء “أنكاليا”، المشروع الذي كان من المفترض أن يكون نقطة التحول في مسار الممر الأوسط.
الميناء صُمم ليكون من النوع العميق القادر على استقبال السفن الضخمة، وهو ما لا تستطيع الموانئ الجورجية الحالية مثل بوتي وباتومي التعامل معه. هذه الميزة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل عنصر حاسم، لأن كفاءة النقل البحري تعتمد بشكل مباشر على حجم السفن وقدرتها الاستيعابية.
لكن بدلًا من تسريع المشروع، فوجئ المراقبون بقرار الحكومة الجورجية خفض تمويله بشكل كبير، في خطوة بدت متناقضة مع الأهمية الاستراتيجية للميناء.
هذا التراجع فتح الباب أمام تساؤلات صعبة:
هل المشكلة مالية؟ أم أن هناك حسابات سياسية أعمق؟ أم أن المشروع نفسه مبالغ في تقدير جدواه؟
خلف الكواليس… اقتصاد أم ضغط سياسي؟
التفسيرات المطروحة لما يحدث في جورجيا متعددة، لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة: الغموض.
من الناحية الاقتصادية، يرى بعض المحللين أن الطلب الحالي على الممر لا يبرر استثمارًا ضخمًا في ميناء عملاق، وأن الحكومة تحاول تجنب مغامرة مالية غير مضمونة.
لكن هذا التفسير لا يُقنع الجميع، خاصة أن المشروع يحظى بدعم مؤسسات دولية كبرى مثل البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، وهو ما يفترض وجود دراسات جدوى قوية.
هنا يظهر التفسير السياسي، الأكثر إثارة: احتمال وجود ضغط روسي غير مباشر على جورجيا.
فروسيا، التي تعتمد بشكل كبير على الممر الشمالي، لديها مصلحة واضحة في إبطاء أو إضعاف أي بديل محتمل. وبالنظر إلى العلاقات المعقدة بين موسكو وتبليسي، فإن فكرة “الضغط الصامت” ليست بعيدة عن الواقع.
الصين… الغائب الحاضر في المعادلة
هناك عامل آخر لا يقل أهمية: موقف الصين.
رغم أن الممر الأوسط يُفترض أن يخدم المصالح الصينية ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن بكين ليست متحمسة بالقدر المتوقع لاستثمار ضخم في ميناء أنكاليا.
هذا التردد يطرح تساؤلات حول أولويات الصين الحقيقية، وما إذا كانت ترى في هذا المسار خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، أم مجرد مسار احتياطي يمكن الاستغناء عنه.
القوقاز… حيث تتوقف التجارة عند السياسة
مع استمرار تعثر مشروع أنكاليا، يتحول القوقاز إلى عنق زجاجة حقيقي.
فبعد رحلة طويلة عبر آسيا الوسطى، حيث تسير الأمور بسلاسة نسبية، تصل البضائع إلى نقطة تتباطأ فيها الحركة بشكل حاد بسبب محدودية البنية التحتية والخلافات السياسية.
هذا التناقض بين السرعة في البداية والتعثر في النهاية يضعف من جدوى الممر بالكامل، لأن سلاسل الإمداد تعتمد على الاستمرارية والكفاءة، وليس على الأداء الجزئي.
محاولات الهروب… مشروع أمريكي بديل
أمام هذا الواقع، بدأت بعض القوى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التفكير في مسارات بديلة تتجاوز جورجيا.
أحد هذه المشاريع هو “TRIPP”، الذي يقترح إنشاء طريق يمر عبر أرمينيا ويربط أذربيجان بتركيا، في محاولة لكسر الاحتكار الجغرافي لجورجيا.
هذا المشروع لا يهدف فقط إلى تسهيل التجارة، بل يرتبط أيضًا بأهداف استراتيجية أوسع، مثل تأمين تدفق المعادن النادرة من آسيا الوسطى بعيدًا عن النفوذ الصيني.
إيران… العامل الذي لا يمكن تجاهله
لكن حتى هذا الحل البديل لا يخلو من المخاطر.
فالمسار المقترح يمر بالقرب من إيران، الدولة التي أثبتت في أكثر من مناسبة أنها مستعدة للتدخل عسكريًا أو سياسيًا إذا شعرت بأن مصالحها مهددة.
وجود هذا العامل يجعل أي مشروع في المنطقة رهينة للتوازنات الإقليمية، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى معادلة الممر الأوسط.
استثمارات بمليارات الدولارات… لكن الثقة مهزوزة
رغم كل هذه التحديات، لا تزال الاستثمارات مستمرة، في محاولة لإنقاذ المشروع أو على الأقل إبقائه حيًا.
تم تخصيص مليارات الدولارات لتطوير البنية التحتية في تركيا وكازاخستان، في خطوة تعكس إيمانًا بأن الممر الأوسط قد يصبح ضرورة مستقبلية، خاصة مع تزايد عدم الاستقرار في المسارات الأخرى.
لكن هذه الاستثمارات، رغم ضخامتها، لا تكفي وحدها إذا ظلت النقاط الحرجة – مثل جورجيا – دون حل.
مشروع استراتيجي… في مأزق واقعي
في النهاية، يكشف الممر الأوسط عن حقيقة قاسية في عالم الجغرافيا السياسية:
الطرق التجارية لا تُبنى فقط بالمال والتخطيط، بل تُحددها أيضًا موازين القوى، والتحالفات، والصراعات.
المشروع يحمل إمكانيات هائلة، لكنه يقف حاليًا على أرض غير مستقرة، حيث يمكن لقرار سياسي واحد، أو مشروع متعثر، أن يعرقل مسارًا يمتد آلاف الكيلومترات.
وبين الطموح الكبير والواقع المعقد، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يتحول الممر الأوسط إلى شريان جديد للتجارة العالمية… أم يظل مشروعًا طموحًا اصطدم بجدار السياسة؟










