دبي- المنشر الاخباري، في الساعات الأخيرة من يوم 7 مايو/أيار 2026، ومع ترنح الهدنة الهشة بين طهران وواشنطن، دخل الصراع الإقليمي منعطفا خطيرا وغير مسبوق، فقد أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية عن تعرض جزيرة قشم الاستراتيجية لهجوم عسكري مباشر.
فيما أكدت وكالة أنباء “فارس” التابعة للحرس الثوري استهداف أجزاء من المنطقة التجارية لرصيف “بهمن” الحيوي، مشيرة إلى وقوع انفجار أدى لتدمير المبنى الإداري للرصيف خلال اشتباك مع ما وصفته بـ”العدو”.
هذا التطور الميداني ليس مجرد حادث معزول، بل هو ذروة غليان مكتوم بين إيران وجارتها الإمارات العربية المتحدة، انفجر عقب 39 يوما من الهجمات الصاروخية المكثفة التي شنتها طهران.
ووفقا لتقارير رسمية، أطلقت إيران تجاه الإمارات أكثر من 500 صاروخ باليستي و2000 طائرة مسيرة، وهو حجم نيران فاق ما وجهته طهران لخصمها المباشر إسرائيل، مما يطرح السؤال الجوهري: ما الذي دفع “شركاء التجارة” اللدودين إلى حافة هذه الحرب الوجودية؟
انهيار التوازن الدبلوماسي وظلال “اتفاقيات إبراهيم”
لسنوات، نجحت أبو ظبي في السير على حبل مشدود بين الحفاظ على علاقات اقتصادية ضخمة مع إيران (التي تعتبر الإمارات رئتها التجارية الكبرى) وبين تعميق شراكاتها الأمنية مع واشنطن وتل أبيب. لكن من منظور طهران، انقطع هذا الحبل منذ توقيع “اتفاقيات إبراهيم”.
وقد اعتبر المرشد اسابق علي خامنئي أن التطبيع مع إسرائيل هو “خيانة لن تدوم”، وتحولت الإمارات في العقيدة العسكرية للحرس الثوري من “شريك اقتصادي” إلى “منصة استخباراتية” متقدمة للولايات المتحدة وإسرائيل.
ومع انطلاق عملية “الغضب الملحمي” الأمريكية ضد إيران في فبراير الماضي، تلاشت الخطوط الحمراء، ولم تعد طهران تكتفي بتهديد القواعد الأمريكية، بل وسعت بنك أهدافها ليشمل العمق الإماراتي، مستهدفة مدنا وفنادق ومرافق حيوية، بحجة أن البنية التحتية الإماراتية تستخدم لدعم العمليات الغربية ضدها، وهو ما تنفيه أبو ظبي بشدة.
مضيق هرمز: سلاح إيران في معركة “خنق السفن”
منذ بداية هذا الأسبوع، شرعت طهران في تفعيل “خيارها النووي التجاري” عبر إغلاق فعلي غير معلن لمضيق هرمز أمام السفن المتجهة إلى ميناء الفجيرة الإماراتي. وتشير بيانات تتبع الملاحة إلى انهيار تاريخي في حركة الشحن؛ فالمضيق الذي كان يشهد عبور 120 سفينة يوميا، بات في بعض الأيام يشهد عبور “صفر” سفينة.
ميناء الفجيرة، الذي استثمرت فيه الإمارات المليارات ليكون طريقا بديلا يتجاوز مضيق هرمز، وجد نفسه في عين العاصفة. الهجمات الغامضة والحرائق التي لحقت بالسفن والناقلات في محيطه، دفعت وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لوصف السفن العالقة بأنها “مهجورة”.
وحذر ماركو من كارثة تهدد التجارة العالمية وحياة البحارة. وفيما تحاول واشنطن عبر “عملية الحرية” تأمين ممرات الملاحة، تنفي طهران نجاح أي سفينة أمريكية في العبور، مؤكدة أن أمن الطاقة الإقليمي مرهون بأمن صادراتها هي.
الجزر الثلاث وقشم: من النزاع السياسي إلى الصدام العسكري
لقد نجحت الإمارات في السنوات الأخيرة في تدويل قضية الجزر الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى)، منتزعة بيانات تأييد من الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، وهو ما اعتبرته طهران “استفزازا لسيادتها”.
ومع اندلاع الحرب، تحولت هذه الجزر إلى نقاط احتكاك عسكري، إذ تشير تقارير غير مؤكدة إلى هجمات إماراتية استهدفت المواقع الإيرانية هناك، مما استدعى تحذيرات “ساحقة” من مقر “خاتم الأنبياء” الإيراني.
الهجوم الأخير على جزيرة قشم يمثل تحولا دراماتيكيا؛ فالإمارات التي التزمت ضبط النفس طويلا، تبدو اليوم وكأنها قررت الرد على الهجمات الصاروخية المتواصلة، مما جعل قشم ثالث هدف يتم استهدافه في غضون ثلاثة أشهر داخل الأراضي الإيرانية.
النهاية المؤلمة لـ “ملاذ العقوبات”
لعقود، كانت الإمارات الملاذ الآمن لإيران للالتفاف على العقوبات الدولية، ومركزا لإدارة الأموال والتجارة.
اليوم، أدت هذه الحرب إلى تبخر هذا الدور؛ فالهجمات العسكرية المتبادلة أغلقت قنوات الاستيراد والالتفاف على العقوبات، وزعزعت استقرار آلاف الإيرانيين المقيمين في الإمارات.
ويعد إغلاق “المستشفى الإيراني” في دبي، وهو صرح طبي واجتماعي افتتح قبل الثورة الإيرانية، الرمز الأقوى لتمزق خيوط العلاقة التاريخية بين البلدين.
بينما يحاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مسقط البحث عن “مرور آمن” للسفن مقابل تنازلات سياسية، يبقى الخليج العربي ساحة لمعركة كسر عظام. المنطقة التي كانت يوما شريان الحياة للعالم، تحولت إلى برميل بارود، حيث لا يبدو أن أحدا يمتلك القدرة على التراجع دون اعتراف بالهزيمة، مما يترك الاقتصاد العالمي في قبضة “هرمز” المتوتر.










