باريس – المنشر الإخباري
شهدت العاصمة الفرنسية باريس موجة احتجاجات جديدة ضد إسرائيل، مع تصاعد الغضب الشعبي في أوروبا إزاء العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة والضفة الغربية، إلى جانب التوترات الإقليمية المرتبطة بلبنان وإيران.
وتجمع مئات المتظاهرين في شوارع باريس، الجمعة، رافعين شعارات تطالب الحكومة الفرنسية والاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على إسرائيل، وسط اتهامات لتل أبيب بتوسيع دائرة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، والتسبب في تفاقم الأزمات الإنسانية والأمنية في المنطقة.
الاحتجاجات جاءت في وقت يشهد فيه الرأي العام الأوروبي تحولات متزايدة تجاه الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية، مع تصاعد الانتقادات داخل الأوساط الحقوقية والسياسية والإعلامية في عدد من الدول الأوروبية.
دعوات لمعاقبة إسرائيل
المتظاهرون، الذين ضموا ناشطين ومنظمات حقوقية ومجموعات داعمة للفلسطينيين، طالبوا بفرض عقوبات سياسية واقتصادية على إسرائيل، معتبرين أن استمرار العمليات العسكرية دون ضغوط دولية يشجع على مزيد من التصعيد.
وركزت الهتافات واللافتات على الحرب في غزة، وما وصفه المحتجون بـ”الانتهاكات المتواصلة” بحق المدنيين الفلسطينيين، إلى جانب الغارات والتوترات التي امتدت إلى لبنان وإيران خلال الأشهر الأخيرة.
كما دعا المشاركون الحكومة الفرنسية إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة داخل الاتحاد الأوروبي، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة أو الدعوات الدبلوماسية التقليدية.
تحول تدريجي في المزاج الأوروبي
الاحتجاجات في باريس تعكس تحولًا متناميًا داخل الشارع الأوروبي تجاه السياسات الإسرائيلية، خاصة بعد طول أمد الحرب في غزة واتساع آثارها الإنسانية.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت عواصم أوروبية عديدة مظاهرات متكررة تطالب بوقف الحرب وفرض قيود على الدعم العسكري والسياسي المقدم لإسرائيل.
ويرى مراقبون أن استمرار صور الدمار والضحايا المدنيين ساهم في تغيير المزاج العام داخل أوروبا، خصوصًا بين فئات الشباب والنقابات ومنظمات حقوق الإنسان.
كما بدأت أصوات سياسية أوروبية تطالب بمراجعة العلاقات مع تل أبيب، بما يشمل اتفاقيات التعاون العسكري والتجاري، في ظل تصاعد الضغوط الشعبية.
فرنسا بين الضغوط الداخلية والتحالفات التقليدية
الحكومة الفرنسية تجد نفسها أمام معادلة معقدة، بين الحفاظ على تحالفاتها التقليدية مع إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الضغوط الداخلية المتزايدة لاتخاذ موقف أكثر حدة تجاه الحرب.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان قد دعا في أكثر من مناسبة إلى وقف التصعيد وحماية المدنيين، إلا أن الانتقادات الموجهة لباريس تتعلق بما يعتبره ناشطون “غياب خطوات عملية” لوقف الحرب أو الضغط على إسرائيل.
وتواجه الحكومة الفرنسية أيضًا تحديات داخلية مرتبطة بحالة الانقسام السياسي حول الملف، خاصة مع تصاعد نشاط الحركات اليسارية والمنظمات الحقوقية الداعمة للفلسطينيين.
غزة في قلب الاحتجاجات
رغم اتساع التوترات الإقليمية لتشمل لبنان وإيران، بقيت غزة القضية المركزية في الاحتجاجات.
ورفع المتظاهرون الأعلام الفلسطينية وصورًا للدمار في القطاع، مطالبين بوقف العمليات العسكرية وفتح ممرات إنسانية أوسع وإيصال المساعدات بشكل عاجل.
كما اتهمت منظمات حقوقية إسرائيل باستخدام القوة المفرطة واستهداف البنية التحتية المدنية، وهو ما تنفيه تل أبيب، مؤكدة أنها تستهدف مواقع تابعة للفصائل المسلحة.
الاحتجاجات الأوروبية الأخيرة تعكس أيضًا تنامي الحضور الشعبي للقضية الفلسطينية داخل المجتمعات الغربية، بعد سنوات من تراجع الزخم الجماهيري في بعض الدول الأوروبية.
تصاعد التوتر الإقليمي يثير القلق الأوروبي
المخاوف الأوروبية لا تتعلق فقط بالجانب الإنساني، بل أيضًا بتداعيات التصعيد الإقليمي على الأمن والطاقة والاقتصاد العالمي.
فالحرب الأخيرة والتوترات في الخليج ومضيق هرمز رفعت منسوب القلق داخل أوروبا بشأن إمدادات الطاقة وأسعار النفط، خاصة مع استمرار التهديدات المرتبطة بالملاحة البحرية.
ويرى محللون أن اتساع رقعة المواجهات لتشمل إيران ولبنان زاد من الضغوط على الحكومات الأوروبية لاتخاذ مواقف أكثر فاعلية لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
منظمات حقوقية تطالب بتحقيقات دولية
عدد من المنظمات المشاركة في احتجاجات باريس دعا أيضًا إلى فتح تحقيقات دولية بشأن الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب، سواء في غزة أو مناطق أخرى شهدت تصعيدًا عسكريًا.
كما طالبت هذه المنظمات بتفعيل آليات المحاسبة الدولية، ووقف تصدير الأسلحة التي يمكن استخدامها في النزاعات الجارية.
وتعتبر هذه المطالب جزءًا من حملة أوسع تقودها منظمات حقوقية أوروبية ودولية للضغط على الحكومات الغربية من أجل إعادة النظر في سياساتها تجاه إسرائيل.
هل تتحول الاحتجاجات إلى ضغط سياسي فعلي؟
حتى الآن، لا تبدو الحكومات الأوروبية مستعدة للذهاب نحو فرض عقوبات واسعة على إسرائيل، لكن تصاعد الاحتجاجات قد يزيد من الضغوط السياسية الداخلية، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية في عدد من الدول الأوروبية.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب واتساع آثارها الإنسانية قد يدفع بعض العواصم الأوروبية إلى تبني مواقف أكثر تشددًا تدريجيًا، سواء عبر فرض قيود دبلوماسية أو مراجعة بعض أشكال التعاون.
وفي كل الأحوال، تكشف احتجاجات باريس أن الحرب في الشرق الأوسط لم تعد قضية إقليمية فقط، بل تحولت إلى ملف يفرض نفسه بقوة داخل الشارع الأوروبي، وسط انقسام متزايد بشأن كيفية التعامل مع إسرائيل وسياساتها العسكرية.










