غزة – المنشر الإخبارى
رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ، فإن مشاهد الدمار والمعاناة الإنسانية لا تزال تخيم على القطاع، وسط اتهامات متزايدة لإسرائيل باتباع سياسة جديدة تقوم على “الهدم الهندسي” ومنع الفلسطينيين من العودة إلى مناطقهم، في ما يصفه ناشطون وخبراء بأنه شكل من أشكال “الإبادة الصامتة”.
وبدلًا من الغارات الجوية المكثفة التي طبعت شهور الحرب السابقة، يقول سكان القطاع إن المرحلة الحالية تشهد عمليات تجريف وتدمير واسعة للبنية التحتية والمنازل والأحياء السكنية، بما يجعل إعادة الحياة الطبيعية إلى غزة شبه مستحيلة في المدى القريب.
ويؤكد فلسطينيون أن الهدنة لم تُترجم إلى تحسن حقيقي في ظروفهم الإنسانية، بل تحولت إلى مرحلة جديدة من الضغط والمعاناة، في ظل استمرار الدمار ونقص الخدمات الأساسية وتعطل جهود إعادة الإعمار.
تغيير في أسلوب الحرب
بحسب تقارير ميدانية وشهادات سكان، فإن إسرائيل انتقلت من سياسة القصف المباشر إلى ما يصفه مراقبون بـ”التدمير البطيء والمنهجي”، عبر استخدام الجرافات والمعدات الثقيلة لتسوية مناطق كاملة بالأرض.
ويرى خبراء أن هذا النمط يهدف إلى خلق واقع جغرافي وديموغرافي جديد داخل غزة، من خلال إزالة الأحياء السكنية وتدمير البنية التحتية بشكل يمنع السكان من العودة إلى منازلهم حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
ويقول سكان إن أحياء بأكملها أصبحت غير قابلة للسكن، مع استمرار إزالة المباني المتضررة وتجريف الطرق وشبكات المياه والكهرباء.
منع العودة إلى المنازل
أحد أكثر الملفات إثارة للغضب داخل غزة يتعلق بصعوبة عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، خصوصًا في شمال القطاع وبعض المناطق الحدودية.
ويؤكد فلسطينيون أن القوات الإسرائيلية تفرض قيودًا ميدانية تمنع الوصول إلى عدد من المناطق، بينما تحولت مساحات واسعة إلى مناطق مدمرة بالكامل.
كما يشكو سكان من غياب الحد الأدنى من المقومات الأساسية للحياة، في ظل انهيار البنية التحتية الصحية والخدمية، واستمرار أزمة المياه والكهرباء.
ويقول مراقبون إن هذه الظروف تدفع آلاف العائلات للبقاء في مراكز إيواء مؤقتة أو خيام، رغم سريان اتفاق التهدئة.
اتهامات بـ”الإبادة الصامتة”
مصطلح “الإبادة الصامتة” بدأ يتردد بشكل متزايد في الخطاب الحقوقي والإعلامي المرتبط بغزة، للإشارة إلى السياسات التي تؤدي إلى تدمير مقومات الحياة دون عمليات قتل جماعي مباشرة.
ويرى ناشطون أن استمرار تدمير المنازل والبنية التحتية، ومنع العودة، وعرقلة إعادة الإعمار، يمثل محاولة لدفع السكان نحو النزوح طويل الأمد أو الهجرة القسرية.
في المقابل، تقول إسرائيل إن عملياتها تهدف إلى إزالة البنية العسكرية للفصائل المسلحة وتأمين المناطق التي شهدت مواجهات خلال الحرب.
لكن منظمات حقوقية تؤكد أن حجم الدمار وتأثيره على المدنيين يثيران تساؤلات قانونية وإنسانية خطيرة بشأن طبيعة هذه العمليات.
كارثة إنسانية مستمرة
رغم تراجع حدة القصف، فإن الأزمة الإنسانية في غزة ما تزال عند مستويات خطيرة، وفق تقارير أممية ومنظمات إغاثة.
آلاف العائلات تعيش وسط أنقاض المنازل، بينما تواجه المستشفيات نقصًا حادًا في المعدات والأدوية والوقود.
كما تستمر معاناة السكان مع نقص الغذاء والمياه النظيفة، إلى جانب انتشار الأمراض في مراكز النزوح المكتظة.
وتحذر منظمات دولية من أن استمرار تدمير البنية التحتية سيجعل إعادة إعمار القطاع أكثر تعقيدًا وكلفة، خاصة مع بطء دخول المساعدات ومواد البناء.
الحرب تتحول إلى معركة على الجغرافيا
يرى محللون أن ما يجري في غزة لم يعد يقتصر على مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحول إلى صراع مرتبط بإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي داخل القطاع.
ويشير هؤلاء إلى أن تدمير الأحياء السكنية الواسع قد يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في توزيع السكان وطبيعة المناطق المأهولة.
كما يعتقد مراقبون أن استمرار هذا الوضع قد يفتح الباب أمام أزمات اجتماعية واقتصادية وأمنية ممتدة، حتى في حال تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل.
انتقادات دولية متزايدة
التحركات الإسرائيلية في غزة تثير أيضًا انتقادات متزايدة من منظمات حقوق الإنسان وبعض الدوائر السياسية الدولية، التي تطالب بوقف عمليات التدمير وضمان عودة المدنيين إلى منازلهم.
كما تتصاعد الدعوات لفتح تحقيقات دولية بشأن استهداف البنية التحتية المدنية وتأثير الحرب على السكان.
وفي أوروبا وأمريكا الشمالية، خرجت احتجاجات تطالب بمحاسبة إسرائيل ووقف الدعم العسكري المقدم لها، وسط تنامي الغضب الشعبي من صور الدمار والضحايا.
غزة بين الهدنة والدمار
ورغم الحديث عن وقف إطلاق النار، يشعر كثير من سكان غزة أن الحرب لم تنته فعليًا، بل تغير شكلها فقط.
فالصمت الذي حل محل الغارات لا يخفي حجم المأساة اليومية، في ظل الدمار الهائل والقلق من مستقبل مجهول.
وبينما تستمر الجهود الدبلوماسية لتثبيت التهدئة، يبقى السؤال الأهم بالنسبة لسكان القطاع: هل ستتحول الهدنة إلى فرصة حقيقية للحياة وإعادة الإعمار، أم إلى مرحلة جديدة من المعاناة البطيئة تحت أنقاض مدينة مدمرة؟










