إسلام آباد تؤكد تمسكها بالحياد وتصف الروايات الأمريكية بشأن القاعدة الجوية بأنها “مضللة”
إسلام أباد- المنشر الإخبارى
دخلت باكستان على خط الجدل الإقليمي المتصاعد بشأن الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما نفت بشكل حاسم وجود أي تعاون أو تنسيق عسكري مع طهران داخل قاعدة “نور خان” الجوية قرب مدينة راولبندي، مؤكدة أن ما أُثير حول استخدام القاعدة لإخفاء أو حماية طائرات إيرانية “لا يمت للحقيقة بصلة”.
وجاء الموقف الباكستاني الرسمي عقب تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن وصول طائرات عسكرية إيرانية إلى الأراضي الباكستانية خلال فترة وقف إطلاق النار الأخيرة، الأمر الذي فتح باب التكهنات حول احتمال انخراط إسلام آباد بشكل غير مباشر في ترتيبات عسكرية مرتبطة بالحرب الإقليمية.
وفي بيان رسمي صدر الثلاثاء، شددت وزارة الخارجية الباكستانية على أن الطائرات الإيرانية التي وصلت إلى قاعدة نور خان كانت موجودة “بشكل مؤقت” ولأغراض دبلوماسية بحتة، تتعلق بتسهيل تنقل الوفود الإيرانية المشاركة في جولات التواصل غير المباشر مع الولايات المتحدة.
وأكد البيان أن باكستان “ملتزمة التزامًا كاملًا بدورها كوسيط محايد”، وأنها لا تسمح باستخدام أراضيها في أي أنشطة عسكرية موجهة ضد أطراف أخرى.
تقرير أمريكي يثير الجدل
وكانت شبكة “CBS News” الأمريكية قد نقلت عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن إيران أرسلت عددًا من الطائرات العسكرية، بينها طائرة استطلاع من طراز “RC-130”، إلى قاعدة نور خان الجوية بعد أيام من إعلان وقف إطلاق النار، بهدف حمايتها من أي ضربات أمريكية محتملة.
وأثار التقرير تساؤلات واسعة حول طبيعة العلاقة بين طهران وإسلام آباد خلال الأزمة الأخيرة، خاصة مع الدور الباكستاني البارز في الوساطة السياسية بين إيران وواشنطن.
لكن الخارجية الباكستانية سارعت إلى نفي هذه الرواية، معتبرة أنها “مضللة وغير دقيقة”، ومؤكدة أن القاعدة الجوية تقع في منطقة حضرية مكتظة بالسكان، ما يجعل إخفاء أي نشاط عسكري واسع النطاق أمرًا شبه مستحيل.
وأضاف البيان أن بعض الطائرات الإيرانية غادرت بالفعل الأراضي الباكستانية، بينما لا تزال طائرات أخرى موجودة مؤقتًا بانتظار استكمال جولات الحوار الدبلوماسي المرتبطة بجهود التهدئة.
باكستان بين الوساطة والحذر
ويعكس الموقف الباكستاني حجم الحساسية التي تتعامل بها إسلام آباد مع الحرب الأخيرة في المنطقة، خصوصًا أنها تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقتها التاريخية مع إيران، وشراكاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
وخلال الأشهر الماضية، لعبت باكستان دور الوسيط الرئيسي في الاتصالات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، واستضافت جولات تفاوض هدفت إلى التوصل إلى تفاهمات بشأن وقف الحرب وتهدئة التوترات في الخليج.
وترى دوائر سياسية أن إسلام آباد تسعى إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تنعكس بشكل مباشر على أمنها الداخلي واستقرارها الاقتصادي، خاصة في ظل الارتباط الوثيق بين أمن الخليج وأسواق الطاقة العالمية.
مخاوف من توسع دائرة الحرب
وأعاد الجدل حول قاعدة نور خان تسليط الضوء على المخاوف المتزايدة من اتساع رقعة الصراع الإقليمي، خصوصًا مع الحديث المتكرر عن استخدام قواعد ومنشآت عسكرية في دول مختلفة لدعم العمليات العسكرية خلال الحرب الأخيرة.
وخلال المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، اتهمت طهران عدة دول إقليمية بالسماح باستخدام أراضيها أو أجوائها لتنفيذ ضربات ضدها، وهو ما دفعها إلى توجيه تحذيرات متكررة من “عواقب الانخراط في العدوان”.
وفي المقابل، سعت العديد من الدول إلى النأي بنفسها عن الصراع، خشية التعرض لردود فعل إيرانية أو التورط في مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.
قاعدة نور خان تحت الأضواء
وتُعد قاعدة نور خان الجوية واحدة من أبرز القواعد العسكرية في باكستان، وتقع بالقرب من العاصمة إسلام آباد ومدينة راولبندي، وتستخدم في عدد من العمليات الجوية واللوجستية التابعة لسلاح الجو الباكستاني.
ومع تداول التقارير الأمريكية، تحولت القاعدة إلى محور اهتمام إعلامي وسياسي، خاصة في ظل التوتر الحاد بين إيران والولايات المتحدة بعد الحرب الأخيرة.
إلا أن السلطات الباكستانية حاولت احتواء الجدل سريعًا عبر التأكيد أن النشاط داخل القاعدة لم يخرج عن الإطار الدبلوماسي، وأن الحديث عن ترتيبات عسكرية سرية “يفتقر إلى الأدلة”.
رسائل سياسية متعددة
ويرى مراقبون أن البيان الباكستاني يحمل عدة رسائل سياسية في توقيت حساس، أبرزها التأكيد على تمسك إسلام آباد بسياسة الحياد، وعدم رغبتها في الظهور كجزء من أي محور عسكري في المنطقة.
كما يعكس حرص باكستان على حماية دورها كوسيط مقبول من مختلف الأطراف، خاصة مع استمرار الاتصالات السياسية المتعلقة بوقف الحرب وترتيبات الأمن الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، يكشف الجدل الدائر حجم الشكوك والتوترات التي ما تزال تسيطر على المشهد الإقليمي حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، حيث أصبحت أي تحركات عسكرية أو دبلوماسية محل مراقبة دقيقة وتفسيرات متباينة.
ومع استمرار الحرب الباردة السياسية بين طهران وواشنطن، تبدو المنطقة مرشحة لمزيد من التسريبات والتجاذبات الإعلامية، في وقت تحاول فيه دول عديدة تفادي الانزلاق إلى صراع جديد قد تكون كلفته أكبر من قدرة المنطقة على التحمل.










