تحليل خاص مطوّل يعتبر أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تجاوزت حدود القوة العسكرية، لتتحول إلى معركة استنزاف سياسي واقتصادي ونفسي، تتداخل فيها الجغرافيا والطاقة والرأي العام العالمي
لندن – المنشر الإخبارى
دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بعد الحرب الواسعة التي اندلعت بينهما بمشاركة إسرائيل وعدد من الحلفاء الإقليميين، مرحلة مختلفة لم تعد تُقاس فقط بحجم القوة العسكرية أو عدد الضربات الجوية، بل أصبحت – وفق الرؤية الإيرانية – معركة إرادات مفتوحة، يتحدد فيها المنتصر بقدرته على الصمود واستنزاف خصمه سياسياً واقتصادياً ونفسياً.
وفي هذا السياق، ترى طهران أن ما جرى خلال الأسابيع الأربعين من الحرب الأخيرة لم يكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل نقطة تحول استراتيجية أعادت رسم موازين الردع والنفوذ في المنطقة، وأثبتت – من وجهة نظرها – أن الولايات المتحدة وإسرائيل فشلتا في تحقيق أهدافهما الأساسية رغم استخدام أدوات ضغط غير مسبوقة.
أربعون يوماً غيّرت قواعد اللعبة
تقول القراءة الإيرانية إن الحرب التي فُرضت على الجمهورية الإسلامية لم تنجح في كسر الدولة أو إضعاف مؤسساتها، بل على العكس دفعت إيران إلى إعادة تثبيت نفوذها الإقليمي وتطوير معادلات ردع جديدة، خصوصاً في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
وتعتبر طهران أن واشنطن دخلت الحرب وهي تراهن على انهيار سريع في الداخل الإيراني، سواء عبر الضربات العسكرية أو الحصار البحري والاقتصادي، لكن النتيجة جاءت معاكسة تماماً، إذ تمكنت إيران – بحسب خطابها الرسمي – من امتصاص الضربة الأولى ثم نقل المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً، يعتمد على استنزاف الخصم وإرباك حساباته السياسية والاقتصادية.
وترى القيادة الإيرانية أن هذه النتيجة منحتها حق فرض شروطها في أي مفاوضات مقبلة، انطلاقاً من قاعدة تعتبر أن الطرف الذي صمد وانتزع بقاءه في حرب شاملة لا يمكن أن يقدم تنازلات تحت الضغط بعد انتهاء المعارك.
مفاوضات تحت الحصار
أحد أبرز محاور الخطاب الإيراني يتمثل في رفض فكرة “التفاوض تحت التهديد”. فطهران تعتبر أن واشنطن تحاول الجمع بين الدعوة إلى التفاوض وبين مواصلة الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية، وهو ما تصفه بأنه تناقض سياسي واستراتيجي.
وتطرح إيران سؤالاً مركزياً: لماذا تقبل أي دولة ذات سيادة بالدخول في مفاوضات بينما تُفرض عليها إجراءات تهدف إلى خنق اقتصادها وتجريدها من أوراق قوتها؟
ومن هنا، تؤكد طهران أن أي حوار لا يمكن أن يتم قبل الاعتراف بحقوقها الأساسية ورفع الضغوط المفروضة عليها، معتبرة أن الاستجابة للشروط الأمريكية في هذه المرحلة تعني خسارة ما لم تستطع واشنطن انتزاعه خلال الحرب نفسها.
وترى النخبة السياسية الإيرانية أن التجربة التاريخية أثبتت أن التراجع أمام الضغوط الغربية لا يؤدي إلى السلام، بل يفتح الباب لمزيد من الابتزاز والمطالب الجديدة، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي أو القدرات العسكرية.
“المثلث الذهبي” الإيراني
الخطاب الإيراني الحالي يعتمد على ما تصفه طهران بـ”المثلث الذهبي”، وهو تماسك الجبهة العسكرية والشعبية والدبلوماسية في آن واحد.
فعلى المستوى العسكري، تؤكد إيران أن قواتها المسلحة ما زالت تمتلك قدرات كبيرة لم تُستخدم بالكامل خلال الحرب الأخيرة، وأنها اعتمدت سياسة “الإدارة المحسوبة للمعركة”، بما يسمح بالحفاظ على أدوات ردع إضافية لأي مواجهة مستقبلية.
أما على المستوى الشعبي، فتقول طهران إن استمرار الشارع الإيراني في تحمل الضغوط الاقتصادية والحصار منح القيادة السياسية مساحة أوسع للمناورة وعدم تقديم تنازلات.
وفي الجانب الدبلوماسي، تعتبر إيران أن صمودها العسكري منح مفاوضيها قوة تفاوضية غير مسبوقة، بحيث لم تعد تتعامل من موقع الدفاع، بل من موقع فرض الشروط والتمسك بما تعتبره “حقوقاً سيادية غير قابلة للنقاش”.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الأهم
أحد أبرز التحولات التي تتحدث عنها إيران يتمثل في تعاظم دور مضيق هرمز بوصفه مركز الثقل الاستراتيجي في المواجهة.
فبعد أشهر من التوترات العسكرية والبحرية، بات المضيق – الذي تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة النفط العالمية – أداة ضغط مباشرة بيد طهران، تستخدمها لإيصال رسالة مفادها أن أي حرب أو حصار ضدها ستكون له تكلفة عالمية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
وتؤكد إيران أن سيطرتها العملياتية على الممرات البحرية المحيطة بالمضيق تجعل من الصعب على الولايات المتحدة فرض معادلة أمنية مستقرة دون التفاهم مع طهران، وهو ما انعكس بالفعل على أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين البحري.
كما ترى طهران أن استمرار التوتر في المضيق يضغط تدريجياً على الاقتصاد الأمريكي وحلفائه، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الوقود والطاقة عالمياً، وتزايد القلق داخل الأسواق الدولية.
خيارات غير مستخدمة
الرسائل الإيرانية الأخيرة تحمل أيضاً تلميحات متكررة إلى امتلاك طهران وحلفائها الإقليميين أوراقاً لم تُستخدم بعد.
وتشير التقديرات الإيرانية إلى أن ما جرى خلال الحرب الأخيرة لم يمثل سوى جزء محدود من قدرات “محور المقاومة”، الممتد من اليمن إلى العراق ولبنان وفلسطين، وأن أي تصعيد جديد قد يفتح جبهات متعددة في وقت واحد.
كما تتحدث إيران عن امتلاكها وسائل “حرب غير تقليدية” قادرة على توسيع نطاق الضغط على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، سواء عبر الممرات البحرية أو الهجمات السيبرانية أو استهداف البنية الاقتصادية الحساسة.
ومن هنا، تحاول طهران ترسيخ صورة مفادها أن أي خيار عسكري جديد ضدها لن يكون محدوداً أو قصير الأمد، بل قد يتحول إلى صراع إقليمي مفتوح يصعب احتواؤه.
الوقت لم يعد في صالح واشنطن
في المقابل، تراهن إيران بشكل واضح على عامل الوقت، معتبرة أن استمرار الأزمة سيؤدي تدريجياً إلى إنهاك الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً.
وتشير التقديرات الإيرانية إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تواجه بالفعل ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والانقسام السياسي حول الحرب، إضافة إلى اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية التي قد تجعل أي تصعيد طويل الأمد عبئاً انتخابياً على الإدارة الجمهورية.
كما ترى طهران أن استضافة الولايات المتحدة لبطولة كأس العالم 2026 قد تتحول إلى عامل ضغط إضافي إذا استمرت حالة التوتر العالمي وارتفعت وتيرة الاحتجاجات الداخلية المرتبطة بالحرب والأزمة الاقتصادية.
وتعتبر إيران أن كل يوم يمر دون حسم عسكري أو سياسي واضح يضعف صورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على فرض إرادتها عالمياً، ويعزز في المقابل صورة إيران كدولة نجحت في الصمود بوجه تحالف دولي واسع.
الرواية النووية تفقد تأثيرها
وتقول إيران إن الحديث الأمريكي المتكرر عن “الخطر النووي الإيراني” لم يعد مقنعاً للرأي العام الدولي كما كان في السابق، خاصة أن طهران ما تزال عضواً في معاهدة حظر الانتشار النووي، بينما تمتلك إسرائيل ترسانة نووية ضخمة خارج أي رقابة دولية.
كما تستخدم طهران هذا الملف للتأكيد على ما تعتبره “ازدواجية غربية”، عبر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة نفسها هي الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي في الحروب، في حين تتعرض إيران لعقوبات وضغوط مستمرة رغم نفيها السعي لامتلاك قنبلة نووية.
وترى القيادة الإيرانية أن الجرائم والخسائر الإنسانية الناتجة عن الحرب الأخيرة جعلت من الصعب على واشنطن تسويق خطابها التقليدي حول “التهديد الإيراني”، خاصة في ظل تنامي الانتقادات الدولية للحرب وسياسات الحصار.
معركة تتجاوز الشرق الأوسط
في النهاية، تنظر إيران إلى المواجهة الحالية باعتبارها أكثر من مجرد نزاع إقليمي أو خلاف حول البرنامج النووي، بل اختباراً لمستقبل النظام الدولي نفسه.
وتحاول طهران تقديم نفسها بوصفها نموذجاً لدولة استطاعت تحدي القوة الأمريكية وعدم الخضوع لها رغم العقوبات والحروب والضغوط، معتبرة أن ذلك يعكس تحوّل العالم نحو نظام متعدد الأقطاب لم تعد فيه واشنطن قادرة على فرض إرادتها منفردة.
وبينما تتمسك الولايات المتحدة بخيارات الضغط والعقوبات والردع العسكري، تبدو إيران مقتنعة بأن معركة الإرادات دخلت مرحلة جديدة، وأن الصبر الاستراتيجي واستنزاف الخصم قد يكونان السلاح الأكثر فاعلية في المرحلة المقبلة.










