صفقة أسلحة أمريكية قياسية لتايوان تُشعل التوتر قبل قمة مرتقبة بين دونالد ترامب وشي جين بينغ
بكين – المنشر الإخبارى
صعّدت الصين لهجتها تجاه الولايات المتحدة، محذّرة من أن استمرار الدعم العسكري الأمريكي لتايوان يمثل تدخلاً مباشراً في شؤونها الداخلية وتهديداً خطيراً للاستقرار الإقليمي، وذلك بالتزامن مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين في زيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام لعقد قمة حساسة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
وتأتي الزيارة في ظل تصاعد التوتر بين القوتين الأكبر اقتصادياً وعسكرياً في العالم، بعدما وافقت إدارة ترامب على حزمة تسليح ضخمة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ العلاقات العسكرية الأمريكية مع الجزيرة التي تعتبرها بكين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.
بكين: تايوان “خط أحمر”
وأكدت الحكومة الصينية، الأربعاء، رفضها القاطع لأي شكل من أشكال التعاون العسكري بين واشنطن وتايوان، معتبرة أن القضية تمس “جوهر المصالح الصينية” وتمثل أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للقيادة الصينية.
وقال المتحدث باسم مكتب شؤون تايوان التابع لمجلس الدولة الصيني تشانغ هان، خلال مؤتمر صحفي في بكين، إن بلاده “تعارض بشدة إقامة الولايات المتحدة أي علاقات أو تعاون عسكري مع منطقة تايوان الصينية”، مضيفاً أن موقف الصين “واضح وثابت ولا يقبل التأويل”.
وشدد المسؤول الصيني على أن الولايات المتحدة مُلزمة بالالتزام بتعهداتها السابقة المتعلقة بسياسة “الصين الواحدة”، وهي السياسة التي تعترف بموجبها واشنطن رسمياً بأن تايوان جزء من الصين، رغم استمرار الدعم العسكري والسياسي الأمريكي للجزيرة.
قمة ترامب وشي تحت ضغط الأزمة
وتُعد زيارة ترامب الحالية إلى الصين الأولى لرئيس أمريكي منذ عام 2017، حين زار ترامب نفسه بكين خلال ولايته الأولى، إلا أن الظروف الحالية تبدو أكثر تعقيداً مع تصاعد الخلافات التجارية والعسكرية والجيوسياسية بين البلدين.
ومن المتوقع أن تتصدر قضية تايوان جدول أعمال القمة الثنائية، خاصة بعد الغضب الصيني من صفقة السلاح الأمريكية الأخيرة، التي شملت أنظمة دفاعية متطورة وصواريخ ومعدات عسكرية تعتبرها بكين محاولة لتقويض سيادتها وخلق توازن ردع دائم في مضيق تايوان.
وتعتبر الصين الجزيرة جزءاً من أراضيها، وتؤكد باستمرار أنها لن تتخلى عن خيار استخدام القوة لإعادة توحيدها إذا لزم الأمر، رغم إعلانها المتكرر أنها تفضل “إعادة التوحيد السلمي”.
أزمة داخلية في تايوان
وتفاقمت الأزمة بعد موافقة البرلمان التايواني، الذي تسيطر عليه المعارضة، على تقليص مشروع ميزانية الدفاع المقترحة من الرئيس التايواني لاي تشينغ-تي، حيث أقر النواب نحو ثلثي الميزانية فقط، مع الإبقاء على تمويل شراء الأسلحة الأمريكية، مقابل خفض برامج عسكرية محلية، من بينها مشاريع متعلقة بالطائرات المسيّرة.
وأثار القرار قلقاً داخل الأوساط السياسية والعسكرية في تايوان، التي تخشى أن تستغل بكين الانقسام الداخلي والجدل حول الإنفاق الدفاعي للضغط على إدارة ترامب من أجل تقليص دعمها العسكري للجزيرة.
كما أعرب مسؤولون أمريكيون عن خيبة أملهم من تقليص بعض البرامج الدفاعية، معتبرين أن تايوان بحاجة إلى تعزيز قدراتها الذاتية في مواجهة التصعيد العسكري الصيني المتزايد.
صفقة أمريكية جديدة تلوح في الأفق
وبحسب تقارير سابقة لوكالة “رويترز”، فإن إدارة ترامب قد تدرس الإعلان عن حزمة تسليح إضافية لتايوان بقيمة تصل إلى 14 مليار دولار بعد انتهاء الزيارة الحالية إلى بكين، رغم عدم حسم القرار حتى الآن.
ويرى مراقبون أن مجرد تداول هذه التقارير يزيد من حساسية القمة الأمريكية الصينية، ويضع العلاقات الثنائية أمام اختبار بالغ التعقيد، خصوصاً أن بكين تعتبر أي صفقات سلاح أمريكية لتايوان تجاوزاً لخطوطها الحمراء.
تصريحات تايوانية تُغضب بكين
وزاد التوتر بعد تصريحات للرئيس التايواني لاي تشينغ-تي خلال مشاركته في “قمة كوبنهاغن للديمقراطية”، حيث وصف تايوان بأنها “دولة مستقلة ذات سيادة”، وهي التصريحات التي أثارت غضب الصين على الفور.
وردّ المتحدث الصيني تشانغ هان قائلاً إن “تايوان لم تكن أبداً دولة مستقلة ولن تكون كذلك”، مضيفاً أن تصميم الصين على مواجهة أي نزعة انفصالية “صلب كالصخر”، وأن قدرتها على “سحق استقلال تايوان غير قابلة للكسر”.
وتنظر بكين إلى تصريحات القيادة التايوانية الحالية باعتبارها محاولة لتكريس الانفصال بدعم غربي، وهو ما تعتبره تهديداً مباشراً لوحدة الأراضي الصينية.
مخاوف من مواجهة كبرى
وفي السنوات الأخيرة، صعّدت الصين من أنشطتها العسكرية حول تايوان، عبر مناورات بحرية وجوية مكثفة، فيما عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري وتحالفاتها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وتحذر بكين باستمرار من أن التدخلات الأجنبية في ملف تايوان قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين الصين والولايات المتحدة، وهو السيناريو الذي تخشاه الأسواق العالمية والقوى الدولية بسبب تداعياته الاقتصادية والعسكرية الهائلة.
ويرى محللون أن ملف تايوان أصبح اليوم أحد أخطر بؤر التوتر في العالم، خاصة مع تصاعد النزعة القومية في الصين، ورغبة واشنطن في الحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي في شرق آسيا.
“الصين الواحدة” في قلب الصراع
ورغم أن الولايات المتحدة لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان، فإنها تبقى الداعم العسكري الأكبر للجزيرة بموجب قوانين أمريكية تسمح بتزويدها بوسائل الدفاع.
في المقابل، تعتبر الصين أن واشنطن تستخدم تايوان كورقة استراتيجية لاحتواء صعودها العالمي، فيما تؤكد الولايات المتحدة أن دعمها لتايوان يهدف إلى الحفاظ على “الوضع القائم” ومنع أي تغيير بالقوة.
وبينما يلتقي ترامب وشي جين بينغ في بكين وسط أجواء مشحونة، تبدو قضية تايوان أكثر من مجرد خلاف دبلوماسي؛ إذ تحولت إلى عنوان رئيسي للصراع على النفوذ والهيمنة في القرن الحادي والعشرين.










