موجات مطرية كثيفة تضرب عشرات المحافظات الإيرانية وتُعيد المياه إلى بحيرات ومستنقعات جفّت لعقد كامل.. وخبراء يحذرون: التعافي الحقيقي يحتاج إصلاحًا جذريًا لإدارة الموارد المائية
طهران – المنشر الإخبارى
شهدت إيران خلال الأشهر الماضية تحولًا بيئيًا لافتًا بعد موجات أمطار غزيرة اجتاحت البلاد منذ أواخر ديسمبر الماضي، وأدت إلى تحسن ملحوظ في مستويات المياه داخل عدد من البحيرات والأراضي الرطبة التي عانت لسنوات من الجفاف والتصحر، وفي مقدمتها بحيرة أورمية الشهيرة شمال غربي البلاد.
وبحسب تقارير رسمية وتصريحات لمسؤولين بيئيين، فإن الأمطار التي بلغت ذروتها خلال شهري مارس وأبريل الماضيين شملت نحو 20 محافظة إيرانية، وأسهمت في إعادة الحياة إلى أنظمة بيئية كانت مهددة بالانهيار نتيجة التغير المناخي وسوء إدارة الموارد المائية والاستهلاك الزراعي المكثف.
وأكدت السلطات الإيرانية أن بحيرة أورمية سجّلت أعلى مستوى مائي لها منذ خمس سنوات، في تطور اعتبرته الحكومة مؤشرًا إيجابيًا على تحسن الوضع البيئي، رغم التحذيرات المتواصلة من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتًا إذا لم تُنفذ إصلاحات هيكلية شاملة في سياسات إدارة المياه.
وقال رضا رحماني، محافظ أذربيجان الغربية وأمين اللجنة الوطنية لإحياء بحيرة أورمية، إن حجم المياه داخل البحيرة وصل حاليًا إلى نحو 3.5 مليار متر مكعب، موضحًا أن هذا التطور تحقق نتيجة مزيج من العوامل، بينها عمليات الاستمطار الصناعي، وإعادة تأهيل مجاري الأنهار، وفتح المسارات المغلقة التي تغذي البحيرة.
وأشار رحماني إلى أن السلطات نفذت هذا العام 23 عملية استمطار صناعي في المنطقة، بالتوازي مع مشاريع لتطهير الأنهار وتعزيز تدفق المياه نحو البحيرة بالتعاون مع السكان المحليين والقرى المحيطة.
وأضاف أن الحفاظ على استقرار البحيرة خلال فصل الصيف سيظل مرهونًا بتقليص استهلاك المياه الزراعية بنسبة لا تقل عن 50%، محذرًا من أن استمرار الاستنزاف الحالي سيُعيد البحيرة إلى دائرة الخطر مهما بلغت كمية الأمطار الموسمية.
من جهته، أوضح سعيد عيسى بور، مدير التخطيط في لجنة إحياء بحيرة أورمية، أن منسوب المياه ارتفع بمقدار 1.4 متر مقارنة ببداية العام المائي الحالي، فيما توسعت مساحة البحيرة إلى أكثر من 2255 كيلومترًا مربعًا، وهو أعلى مستوى تسجله منذ سنوات.
ودعا المسؤول الإيراني المزارعين والمستخدمين المحليين للمياه إلى الحد من السحب غير الضروري من الموارد السطحية، حتى تتمكن البحيرة من الاحتفاظ بالمياه لفترة أطول، خاصة مع توقعات باستمرار الأمطار خلال الخريف والشتاء المقبلين.
ولم تقتصر آثار الأمطار على بحيرة أورمية فقط، إذ شهدت أراضٍ رطبة أخرى في أنحاء متفرقة من إيران انتعاشًا بيئيًا ملحوظًا، من بينها مستنقع ميقان قرب مدينة أراك، والذي استعاد مسطحه المائي البالغ 12 ألف هكتار بعد سنوات من الجفاف الحاد.
وأكد مركز حماية الأراضي الرطبة في محافظة مركزي أن المستنقع استقبل هذا العام أكثر من 100 مليون متر مكعب من المياه، وهو ما لم يحدث منذ عام 2019، الأمر الذي ساهم في عودة آلاف الطيور المهاجرة إلى المنطقة، بما فيها أنواع قادمة من سيبيريا.
ويُعد مستنقع ميقان أحد أهم المواطن البيئية للطيور في إيران، حيث يستضيف سنويًا نحو 12 ألف طائر مهاجر، فضلًا عن احتضانه نسبة كبيرة من أنواع الطيور المسجلة داخل البلاد.
وفي محافظة بوشهر جنوب البلاد، أعلنت السلطات البيئية أن مستنقع هِله امتلأ بالكامل للمرة الأولى منذ نحو عقدين، بعد سنوات طويلة من المعاناة بسبب نقص المياه وغياب الحصص البيئية المخصصة له.
وقال عبد الرحمن مراد زاده، المدير العام لدائرة البيئة في بوشهر، إن كميات المياه الحالية غير مسبوقة، موضحًا أن أعمال تطهير المجاري المائية ساعدت في توجيه السيول نحو المستنقع وإعادة إحيائه.
وأضاف أن تحسن الوضع المائي ساهم في عودة أنواع عديدة من الطيور المهاجرة والحيوانات البرية التي اختفت خلال السنوات الماضية بسبب الجفاف وتدهور الموائل الطبيعية.
وفي جنوب غرب إيران، شهد مستنقع هور العظيم في محافظة خوزستان تحسنًا ملحوظًا أيضًا، بعدما ارتفعت نسبة المساحات المغمورة بالمياه من أقل من 30% خلال العام الماضي إلى نحو 60% حاليًا، وفق صور الأقمار الصناعية والتقديرات البيئية الرسمية.
أما مستنقع زريبار في محافظة كردستان، فقد تجاوزت كمية المياه فيه 64 مليون متر مكعب، ما أدى إلى فيضانه نحو نهر مريوان المجاور، وسط عودة أعداد كبيرة من الطيور المهاجرة والمحلية إلى المنطقة.
كما استعادت أراضٍ رطبة أخرى مثل “كاني برازان” قرب مهاباد وبحيرة گهر في محافظة لرستان جزءًا كبيرًا من عافيتها البيئية بعد دخول ملايين الأمتار المكعبة من المياه إليها خلال الأسابيع الماضية.
وفي شمال البلاد، سجلت السلطات البيئية وصول نحو 40 طائر فلامنجو إلى مستنقع بوجاق الوطني بمحافظة جيلان، في مؤشر اعتبره المسؤولون دليلًا على تحسن جودة المياه وتوافر الغذاء واستقرار البيئة الطبيعية داخل المنطقة.
من جانبها، أوضحت سحر تاجبخش، رئيسة هيئة الأرصاد الجوية الإيرانية، أن الأمطار الأخيرة جاءت نتيجة تفاعل أنظمة مناخية واسعة النطاق نقلت الرطوبة من المحيط الهندي والبحر المتوسط نحو إيران ودول أخرى في غرب آسيا.
وأكدت أن الهيئة كانت قد توقعت منذ أشهر تسجيل معدلات أمطار أعلى من المتوسط هذا العام، مشيرة إلى أن الظاهرة المناخية لم تقتصر على إيران وحدها، بل شملت عدة دول مجاورة أيضًا.
ورغم حالة التفاؤل التي رافقت عودة المياه إلى العديد من البحيرات والمستنقعات، حذر خبراء البيئة من المبالغة في تفسير هذه التطورات باعتبارها بداية مرحلة رطبة طويلة الأمد.
وقال الناشط البيئي الإيراني محمد درويش إن إيران تقع بطبيعتها داخل الحزام الجاف عالميًا، موضحًا أن الجفاف يظل القاعدة الأساسية للمناخ الإيراني، بينما تُعتبر السنوات المطيرة مجرد استثناءات مؤقتة.
وأكد درويش أن التعافي الحقيقي للبحيرات والأراضي الرطبة لن يتحقق عبر الأمطار وحدها، بل يتطلب إصلاحات شاملة في إدارة المياه، وتقليص الاعتماد على الأنشطة الزراعية والصناعية كثيفة الاستهلاك للمياه، إضافة إلى ضمان الحصص البيئية المستدامة للبحيرات والأنهار.
وأشار إلى أن بحيرة أورمية تحتاج فعليًا إلى نحو 20 مليار متر مكعب من المياه لاستعادة توازنها البيئي الكامل، ما يعني أن الوضع الحالي، رغم تحسنه، لا يزال بعيدًا عن التعافي التام.
وختم بالقول إن التحدي الحقيقي أمام إيران لا يكمن في قدرتها على الاستفادة من سنوات المطر، بل في نجاحها في بناء نموذج مستدام لإدارة المياه داخل بلد يُعد الجفاف فيه حالة تاريخية مزمنة.










