طهران تطالب التكتل بدور أكثر استقلالية في النظام الدولي وسط تصاعد التوتر مع واشنطن واستمرار تداعيات الحرب الأخيرة
طهران – المنشر الإخبارى
دعت إيران دول مجموعة “بريكس” إلى لعب دور أكثر فاعلية في مواجهة ما وصفته بسياسات “الاحتكار والإكراه والعقوبات الأحادية”، مطالبة بتحويل التكتل إلى منصة حقيقية للدفاع عن حقوق الدول النامية وتعزيز التعددية الدولية بعيداً عن الهيمنة الغربية.
وجاءت الدعوة الإيرانية على لسان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، خلال مشاركته في الاجتماعات التحضيرية لاجتماع وزراء خارجية “بريكس” المنعقد في العاصمة الهندية نيودلهي، والذي يُعقد في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
وأكد غريب آبادي أن مشاركة طهران في “بريكس” تمثل “خياراً استراتيجياً” يهدف إلى دعم نظام دولي أكثر عدالة، يقوم على التعاون المتوازن واحترام سيادة الدول، بعيداً عن الضغوط السياسية والاقتصادية التي تفرضها القوى الكبرى.
وقال المسؤول الإيراني إن المجموعة لن تتمكن من أداء دورها التاريخي الكامل إلا إذا تحولت إلى إطار حقيقي للتعاون المتكافئ، وصناعة القرار المستقل، والدفاع عن حقوق الشعوب في مواجهة العقوبات وسياسات الضغط والإكراه.
“بريكس” في قلب المواجهة الدولية
تأتي تصريحات طهران في وقت تحاول فيه مجموعة “بريكس” بلورة موقف موحد تجاه الحرب التي اندلعت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما تبعها من اضطرابات اقتصادية وأمنية هزّت أسواق الطاقة العالمية.
وتضم المجموعة حالياً كلاً من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، إلى جانب الأعضاء الجدد مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات العربية المتحدة.
وترى إيران أن التكتل بات يمثل إحدى أهم المنصات الدولية القادرة على إعادة تشكيل موازين الاقتصاد والسياسة العالميين، خاصة مع تزايد الانتقادات للنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، واعتماد واشنطن المتكرر على العقوبات الاقتصادية كأداة للضغط السياسي.
وفي هذا السياق، شدد غريب آبادي على أن مواجهة “الإجراءات القسرية الأحادية” التي تفرضها الولايات المتحدة أصبحت جزءاً أساسياً من معركة تحقيق العدالة الاقتصادية وحق الدول في التنمية المستقلة.
دعوة لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي
وخلال لقاءاته في نيودلهي، ركز المسؤول الإيراني على ضرورة توسيع مجالات التعاون داخل “بريكس”، سواء في التجارة أو الطاقة أو الأنظمة المالية والمصرفية، مع تقليل الاعتماد على المؤسسات والآليات الاقتصادية الغربية التي تصفها طهران بأنها “تمييزية وأحادية”.
وأكد أن القمة الحالية تمثل فرصة مهمة لمناقشة مستقبل التعاون بين دول الجنوب العالمي، وإصلاح منظومة الحوكمة الاقتصادية الدولية، وتعزيز الروابط التجارية والمالية المستقلة بين الدول الأعضاء.
وأضاف أن إيران تمتلك مقومات استراتيجية كبيرة تجعلها قادرة على لعب دور محوري داخل المجموعة، مشيراً إلى موقعها الجغرافي الحيوي، وقدراتها في مجالات الطاقة والنقل والموارد البشرية والعلمية.
وترى طهران أن هذه العوامل تمنحها القدرة على المساهمة في ملفات التنمية المتوازنة والأمن الاقتصادي والربط الإقليمي، إلى جانب دعم ما تسميه “صوت الدول المستقلة” في النظام الدولي.
خلافات داخلية بشأن الحرب على إيران
ورغم الطموحات الإيرانية لتعزيز التوافق داخل “بريكس”، تحدثت تقارير عن وجود تباينات بين بعض أعضاء المجموعة، خاصة بين إيران والإمارات العربية المتحدة، على خلفية الحرب الأخيرة.
وتتهم طهران أبوظبي بالسماح باستخدام أراضيها وقواعدها العسكرية في تنفيذ هجمات أمريكية خلال الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي، وهو ما دفع إيران لاحقاً إلى استهداف قواعد ومواقع أمريكية داخل الإمارات ضمن موجات الرد العسكري التي نفذتها القوات الإيرانية.
وتسببت الحرب، وفق تقديرات اقتصادية دولية، في اضطرابات واسعة بأسواق الطاقة وارتفاع حاد في أسعار النفط والشحن البحري والتأمين، ما دفع عدداً من دول “بريكس” إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية عاجلة لاحتواء التداعيات.
الهند تحاول الحفاظ على التوازن
وتستضيف الهند الاجتماعات الحالية بصفتها الرئيس الدوري للمجموعة لعام 2026، وسط مساعٍ للحفاظ على التوازن بين القوى المتنافسة داخل التكتل، خصوصاً في ظل العلاقات الاقتصادية والعسكرية التي تربط نيودلهي بكل من واشنطن وطهران في آن واحد.
وكانت إيران قد دعت الهند في وقت سابق إلى استغلال رئاستها للمجموعة من أجل بناء موقف موحد يدين الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية.
وبحسب تقارير دبلوماسية، لا تزال نيودلهي تأمل في التوصل إلى بيان مشترك يعكس الحد الأدنى من التوافق بين أعضاء “بريكس”، رغم الانقسامات السياسية المرتبطة بالحرب الأخيرة.
الصين وروسيا في المشهد
ومن المنتظر أن يشارك وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الاجتماعات، بينما تمثل الصين عبر سفيرها لدى الهند، في ظل انشغال وزير الخارجية الصيني وانغ يي باستقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين.
ويعكس هذا التداخل الدبلوماسي حجم التعقيد الذي يحيط بالأزمة الحالية، حيث تسعى القوى الكبرى إلى تجنب انفجار أوسع قد يهدد الاقتصاد العالمي، خاصة بعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة.
طهران تتمسك بشروطها
وفي موازاة تحركاتها داخل “بريكس”، تواصل إيران التمسك بموقفها الرافض لأي مفاوضات نووية قبل وقف الضغوط العسكرية والبحرية المفروضة عليها.
وتؤكد طهران أن الحرب الأخيرة، التي شهدت هجمات واسعة على منشآت نووية ومدارس ومستشفيات، غيّرت معادلات القوة في المنطقة، وأن أي تسوية مستقبلية يجب أن تقوم على الاعتراف بحقوقها السيادية ورفع العقوبات المفروضة عليها.
كما تشير إيران إلى أن الرد العسكري الذي نفذته ضمن عملية “الوعد الصادق 4”، وشمل أكثر من مئة موجة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أثبت قدرتها على فرض معادلات ردع جديدة رغم الحصار والعقوبات.
ورغم سريان وقف هش لإطلاق النار، لا تزال الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة، خصوصاً مع استمرار الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية وتعثر محادثات السلام بعد رفض واشنطن للمقترح الإيراني الأخير.
“بريكس” كبديل للنظام الغربي
في العمق، تعكس التحركات الإيرانية داخل “بريكس” رهانا استراتيجيا على بناء نظام دولي متعدد الأقطاب، تكون فيه القوى الصاعدة قادرة على موازنة النفوذ الأمريكي والغربي.
وتعتبر طهران أن التكتل لم يعد مجرد تجمع اقتصادي، بل مشروع سياسي وجيوسياسي قادر على إعادة تشكيل العلاقات الدولية، خاصة إذا نجح في بناء أنظمة مالية وتجارية مستقلة عن الدولار والمؤسسات الغربية التقليدية.
ومن هنا، تحاول إيران تقديم نفسها كأحد أبرز المدافعين عن فكرة “الاستقلال الاستراتيجي” للدول النامية، في مواجهة ما تصفه بمحاولات الهيمنة والعقوبات والضغوط العابرة للحدود.










