ملف المفاوضات بين طهران وواشنطن يدخل مرحلة أكثر تشددًا وحساسية
طهران – المنشر الإخبارى
قال القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، إن إيران لن تدخل في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة ما لم تلتزم واشنطن بمجموعة من الشروط المسبقة التي تضعها طهران، مؤكدًا أن التجارب السابقة دفعت القيادة الإيرانية إلى إعادة صياغة مقاربتها بالكامل تجاه مسار التفاوض مع الجانب الأميركي.
وجاءت تصريحات جعفري في مقابلة مع وكالة “تسنيم” الإيرانية نُشرت يوم الخميس، حيث تناول فيها مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن، وحدود إمكانية استئناف المفاوضات في ظل استمرار التوترات السياسية والعسكرية بين الجانبين.
وأوضح القائد العسكري السابق أن إيران لم تعد تنظر إلى المفاوضات باعتبارها مسارًا مفتوحًا دون شروط، بل باتت تشترط إجراءات ملموسة ومسبقة قبل أي حوار، معتبرًا أن ما حدث خلال السنوات الماضية “أفقد الثقة في التزام الطرف الآخر”.
تحول استراتيجي في الموقف الإيراني
وأكد جعفري أن ما وصفه بسلوك “الطرف المقابل” خلال فترات التفاوض السابقة، والذي تخللته ـ بحسب قوله ـ خروقات متكررة للاتفاقات وعمليات عسكرية في خضم المحادثات السياسية، دفع إيران إلى اتخاذ “تحول استراتيجي جوهري” في سياستها التفاوضية.
وقال إن هذا التحول يعني أن طهران لن تعود إلى طاولة الحوار دون أن تحصل على ضمانات مكتوبة وملزمة، يتم توقيعها رسميًا، وتضمن عدم تكرار أي أعمال عسكرية أو تهديدات ضد إيران، إضافة إلى اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة.
وأضاف أن من بين هذه الخطوات الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، باعتبارها جزءًا أساسيًا من إجراءات بناء الثقة التي تسبق أي نقاش حول الملفات الكبرى، بما في ذلك الملف النووي الإيراني.
شروط مسبقة لبناء الثقة
وأشار جعفري إلى أن إيران ترى أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تمر بمرحلتين أساسيتين: الأولى تتعلق ببناء الثقة عبر إجراءات عملية من الجانب الأميركي، والثانية تخص الدخول في مفاوضات سياسية حول الملفات العالقة.
وأوضح أن هذه الإجراءات لا يمكن أن تكون شكلية، بل يجب أن تتضمن التزامات حقيقية على الأرض، مثل وقف التهديدات العسكرية، وإنهاء أي عمليات عدائية، والاعتراف بالحقوق الإيرانية وفقًا لتعبيره.
وأكد أن التجربة السابقة أثبتت أن غياب الضمانات يؤدي إلى انهيار أي اتفاق، وهو ما دفع إيران إلى تبني سياسة أكثر تشددًا في هذا الملف.
لا مفاوضات مباشرة مع واشنطن
وفي سياق متصل، شدد جعفري على أن إيران لا تجري حاليًا أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها تعتمد على قنوات غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين، من بينهم باكستان، بهدف تبادل الرسائل ونقل الشروط الإيرانية.
وأضاف أن هذه القنوات غير المباشرة تهدف إلى اختبار جدية الطرف الآخر في الالتزام بالتعهدات، قبل الانتقال إلى أي مستوى رسمي من التفاوض.
تحذيرات من تصعيد جديد
وفي لهجة تصعيدية، حذر القائد السابق للحرس الثوري من أن الولايات المتحدة “ليس أمامها سوى خيارين: إما قبول المطالب المشروعة لإيران، أو الاستمرار في الحرب”، مؤكدًا أن أي تصعيد عسكري جديد سيقابل برد أقوى من الجانب الإيراني.
وقال إن استمرار المواجهة ستكون له تكلفة أكبر بكثير على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة مقارنة بتكلفتها على إيران، رغم اعترافه بأن الحرب لها أعباء على الطرفين.
خلفية التصعيد العسكري
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار التوترات الناتجة عن المواجهة العسكرية التي اندلعت في 28 فبراير، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل، وفق الرواية الإيرانية، هجمات جوية أسفرت عن اغتيال عدد من القادة والمسؤولين الإيرانيين.
وتشير الرواية الإيرانية إلى أن بعض الدول في منطقة الخليج الفارسي سمحت باستخدام أراضيها وأجوائها لدعم تلك العمليات، وهو ما زاد من اتساع نطاق المواجهة الإقليمية.
وردًا على ذلك، نفذت القوات المسلحة الإيرانية سلسلة من الضربات الانتقامية وصفت بأنها شملت 100 موجة استهدفت مواقع حساسة ومصالح أميركية وإسرائيلية في المنطقة.
وقف إطلاق نار هش ومفاوضات متعثرة
وفي 8 أبريل، دخل وقف إطلاق نار مؤقت حيز التنفيذ بوساطة من إسلام آباد، بعد 40 يومًا من التصعيد العسكري، إلا أن الجولة الأولى من المفاوضات بين طهران وواشنطن لم تحقق أي تقدم يُذكر.
وبحسب ما نقلته مصادر إعلامية إيرانية، قامت الولايات المتحدة بتمديد الهدنة من جانب واحد بعد انتهاء مدتها، لكنها فرضت في المقابل ما وصفته طهران بـ”حصار بحري غير إنساني” على إيران.
وأكدت طهران أنها لن تنخرط في أي جولة تفاوض جديدة ما لم يتم رفع هذه الإجراءات، إلى جانب تلبية مطالبها المتعلقة بإنهاء التصعيد والاعتراف بحقوقها السيادية.
مشهد مفتوح على خيارات متعددة
ويرى مراقبون أن تصريحات جعفري تعكس توجهًا أكثر تشددًا داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية تجاه ملف التفاوض مع واشنطن، يقوم على مبدأ “الضمانات قبل الحوار”، في ظل استمرار انعدام الثقة بين الطرفين.
كما تشير هذه التصريحات إلى أن مستقبل العلاقات الإيرانية الأميركية لا يزال مفتوحًا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين استئناف مفاوضات مشروطة أو استمرار حالة التوتر وربما التصعيد في حال فشل الجهود الدبلوماسية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى مسألة استئناف الحوار مرهونة بمدى استعداد كل طرف لتقديم تنازلات أو إجراءات عملية لبناء الثقة، وهي النقطة التي تبدو حتى الآن الأكثر تعقيدًا في مسار العلاقات بين طهران وواشنطن.










