واشنطن تتهم مسؤولين سياسيين وأمنيين بعرقلة مسار السلام في لبنان وتعزيز نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتوسع غير مسبوق في قائمة العقوبات
واشنطن – المنشر الإخبارى
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض حزمة جديدة من العقوبات المالية على عدد من الشخصيات اللبنانية، قالت إنها مرتبطة بحزب الله وتساهم في عرقلة مسار السلام في لبنان، إلى جانب دعم نفوذ الحزب داخل مؤسسات الدولة، في خطوة اعتُبرت من أوسع الإجراءات الأمريكية تجاه بيروت خلال السنوات الأخيرة، والأولى التي تشمل مسؤولين أمنيين رسميين داخل الدولة اللبنانية.
وبحسب بيان وزارة الخزانة الأمريكية، فإن قائمة العقوبات شملت ثمانية أشخاص لبنانيين، بالإضافة إلى السفير الإيراني في لبنان محمد علي رضا شيباني، حيث اتهمتهم واشنطن بالعمل ضمن شبكات سياسية وأمنية مرتبطة بحزب الله تهدف إلى تقويض الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.
وللمرة الأولى، امتدت العقوبات لتشمل ضباطاً في أجهزة أمنية وعسكرية لبنانية رسمية، وهو ما اعتبر تطوراً لافتاً في طبيعة المواجهة السياسية بين الولايات المتحدة وحزب الله، مع توسع نطاق الاستهداف ليشمل مؤسسات سيادية داخل الدولة اللبنانية.
وضمت القائمة أربعة نواب لبنانيين ينتمون إلى كتلة حزب الله في البرلمان، وهم: إبراهيم الموسوي، حسين الحاج حسن (الذي شغل سابقاً منصب وزير الزراعة)، حسن فضل الله، ومحمد فنيش (وزير الطاقة السابق)، حيث قالت واشنطن إنهم يساهمون في توفير الغطاء السياسي لأنشطة الحزب داخل مؤسسات الدولة.
كما شملت العقوبات مسؤولين من “حركة أمل”، أبرزهم أحمد البعلبكي، الذي يشغل منصب مدير الأمن في الحركة، وعلي الصفاوي، الذي وُصف بأنه قائد ميداني في جنوب لبنان، واتهم بالتنسيق المباشر مع حزب الله في عمليات ذات طابع أمني وعسكري.
ووفق بيان الخزانة الأمريكية، فإن البعلبكي يشارك في تنظيم مظاهر القوة والاستعراضات العلنية التي تهدف إلى ترهيب الخصوم السياسيين داخل لبنان، بينما قال البيان إن الصفاوي شارك في عمليات مشتركة مع حزب الله ضد إسرائيل، ونسق عمليات ميدانية في الجنوب اللبناني.
كما شملت العقوبات ضابطين في الأجهزة الأمنية اللبنانية، هما العميد خضر ناصر الدين من جهاز الأمن العام اللبناني، والعقيد سمير حمادة من مخابرات الجيش اللبناني، حيث اتهمتهما واشنطن بتقديم معلومات استخباراتية لحزب الله خلال فترة التصعيد العسكري المستمر في المنطقة.
وتُعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها إدراج أسماء ضباط عاملين في مؤسسات أمنية رسمية لبنانية على قوائم العقوبات الأمريكية، وهو ما يفتح الباب أمام تداعيات سياسية داخلية وخارجية، خصوصاً في ظل حساسية العلاقة بين الجيش اللبناني والولايات المتحدة التي تُعد من أبرز داعميه.
كما شملت العقوبات السفير الإيراني المقيم في لبنان محمد علي رضا شيباني، والذي سبق أن أثار جدلاً دبلوماسياً بعد اتهامات له بالتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، فيما اعتبرته واشنطن جزءاً من شبكة الدعم السياسي والدبلوماسي لحزب الله في المنطقة.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية في بيانها إن هذه الإجراءات تأتي في إطار جهود “مراقبة ومحاسبة” الأفراد الذين “يقوضون عملية السلام في لبنان”، ويعملون على تعزيز نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك البرلمان والأجهزة الأمنية.
وأضاف البيان أن حزب الله “يستخدم أدوات سياسية وأمنية داخل الدولة اللبنانية بهدف الحفاظ على نفوذه”، مؤكداً أن العقوبات تستهدف وقف هذا النفوذ وإضعاف قدرته على التأثير داخل مؤسسات الحكم.
وتزامن الإعلان عن العقوبات مع تصاعد التوترات السياسية والأمنية في لبنان، حيث تشهد البلاد حالة من الانقسام الحاد حول دور حزب الله في السياسة الداخلية، إضافة إلى جدل واسع بشأن علاقاته الإقليمية، خاصة مع إيران.
في المقابل، ردت “حركة أمل” على القرار الأمريكي ببيان رسمي اعتبر فيه أن العقوبات “غير مقبولة وغير مبررة”، مشيرة إلى أنها تستهدف الدور الوطني والسياسي للحركة داخل لبنان، وتندرج ضمن محاولات الضغط الخارجي على القرار اللبناني.
وأكد البيان أن الحركة تلتزم بالدفاع عن الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وترفض أي اتهامات تربطها بأجندات خارجية أو أنشطة غير قانونية، مشدداً على أن القرار الأمريكي لن يؤثر على دورها السياسي أو تمثيلها في البرلمان.
أما الجيش اللبناني، فقد أصدر بياناً أوضح فيه أن ضباطه وعناصره يؤدون واجباتهم الوطنية “بكل احتراف ومسؤولية وانضباط”، مؤكداً أن ولاءهم الكامل للمؤسسة العسكرية والدولة اللبنانية فقط، وأنهم يلتزمون بالقوانين والتوجيهات الرسمية.
وأشار الجيش إلى أنه لم يتلق أي إشعار رسمي عبر القنوات الدبلوماسية بشأن العقوبات، في إشارة إلى تحفظات على آلية الإعلان الأمريكي، دون الدخول في تفاصيل إضافية حول الأسماء الواردة في القائمة.
من جهته، أصدر حزب الله بياناً اعتبر فيه أن العقوبات تأتي في إطار “الضغط السياسي ومحاولات الترهيب”، مؤكداً أنها لن تؤثر على خياراته أو مواقفه، وأنها تهدف إلى دعم إسرائيل في سياق التصعيد الإقليمي المستمر.
وأضاف الحزب أن الولايات المتحدة تستخدم العقوبات كأداة سياسية ضد لبنان ومقاومته، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات لن تغير من واقع القوة على الأرض أو من التوازنات القائمة في المنطقة.
وفي السياق السياسي العام، يرى مراقبون أن هذه العقوبات تعكس مرحلة جديدة من الضغط الأمريكي على حزب الله وشبكاته داخل لبنان، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بين واشنطن وطهران، وتداخل الساحة اللبنانية مع الصراع الأوسع في المنطقة.
كما يعتبر البعض أن إدراج ضباط أمنيين لبنانيين في القائمة يمثل رسالة مباشرة إلى مؤسسات الدولة اللبنانية، بهدف إعادة ضبط العلاقة بين الجيش والأجهزة الأمنية من جهة، وحزب الله من جهة أخرى.
ويأتي هذا التطور في وقت حساس تشهده المنطقة، مع استمرار التوترات الحدودية والتصعيد السياسي بين أطراف إقليمية متعددة، ما يجعل لبنان في قلب معادلة إقليمية معقدة تتجاوز حدوده الداخلية.
وبينما تؤكد واشنطن أن هدفها هو “إضعاف نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة اللبنانية”، يرى آخرون أن هذه الإجراءات قد تزيد من تعقيد المشهد الداخلي اللبناني، وتفتح الباب أمام مزيد من التوتر السياسي والانقسام الداخلي.
وفي كل الأحوال، يبقى تأثير هذه العقوبات مرهوناً بتطورات المرحلة المقبلة، سواء على مستوى الداخل اللبناني أو على مستوى التوازنات الإقليمية الأوسع التي تشهد تغيرات متسارعة.










