الرياض تعلن نجاح موسم القدوم وسط اضطرابات إقليمية وتأكيدات على استمرار انسيابية الحركة الجوية وتزايد أعداد الحجاج القادمين من الخارج
الرياض – المنشر الإخبارى
أعلنت السلطات السعودية عن وصول أكثر من 1.5 مليون حاج من خارج المملكة استعداداً لأداء مناسك الحج لهذا العام، في رقم يعكس قدرة منظومة الحج على الصمود والاستمرار رغم الظروف الإقليمية المعقدة والتوترات الأمنية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، والتي أثرت خلال الأشهر الماضية على حركة الطيران والملاحة الجوية في عدد من الدول.
وقال قائد قوات الجوازات بالحج اللواء صالح المربع، خلال مؤتمر صحافي عُقد في مكة المكرمة مساء الجمعة، إن “فترة قدوم الحجاج من خارج المملكة أوشكت على الانتهاء، وبلغ إجمالي الحجاج القادمين من الخارج حتى الآن 1,518,153 حاجاً”.
وأوضح أن هذه الأرقام تمثل حصيلة أولية مرشحة للارتفاع خلال الأيام القليلة المتبقية قبل بدء المناسك، مشيراً إلى أن السلطات السعودية تعمل على استكمال جميع الإجراءات التنظيمية لضمان انسيابية دخول الحجاج عبر المنافذ المختلفة دون أي عوائق.
توزيع الحجاج عبر المنافذ
وكشف اللواء المربع عن تفاصيل حركة الوصول، موضحاً أن الغالبية العظمى من الحجاج دخلوا عبر المنافذ الجوية، حيث بلغ عددهم 1,457,514 حاجاً، في حين دخل 45,141 حاجاً عبر المنافذ البرية، و6,497 حاجاً عبر المنافذ البحرية.
ويعكس هذا التوزيع الاعتماد الكبير على النقل الجوي في موسم الحج، خصوصاً في ظل المسافات الطويلة التي تفصل المملكة عن الدول التي يأتي منها معظم الحجاج، لا سيما في آسيا وأفريقيا وأوروبا.
كما يشير هذا التوزيع إلى الدور المحوري الذي تلعبه شركات الطيران الإقليمية والدولية في تنظيم حركة الحج، خاصة مع مشاركة شركات كبرى مثل “طيران الإمارات” و“طيران الاتحاد” و“الخطوط الجوية القطرية” و“طيران الخليج”، والتي ساهمت في نقل أعداد كبيرة من الحجاج، خصوصاً من دول شرق آسيا.
الحج في ظل أجواء إقليمية مضطربة
ويأتي هذا الموسم في وقت تشهد فيه المنطقة توترات جيوسياسية وأمنية غير مسبوقة، انعكست بشكل مباشر على حركة السفر والنقل الجوي في الشرق الأوسط، حيث أدت الحرب المستمرة في المنطقة إلى اضطراب في بعض المسارات الجوية، وإعادة تنظيم خطوط الطيران، وإلغاء أو تعديل عدد من الرحلات في فترات سابقة.
وبحسب تقارير ملاحية، فقد تأثرت حركة الطيران خلال الأشهر الماضية نتيجة التوترات العسكرية في المنطقة، والتي اندلعت عقب الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير الماضي، وما تبعه من ردود عسكرية إيرانية استهدفت مواقع في بعض دول الخليج، ما أدى إلى إعادة تقييم مسارات الطيران وتفعيل خطط طوارئ في شركات الطيران الإقليمية.
ورغم هذه التحديات، تمكنت شركات الطيران الخليجية الكبرى من استعادة جزء كبير من طاقتها التشغيلية خلال الأسابيع الأخيرة، مع إعادة فتح تدريجي للمجالات الجوية، الأمر الذي ساهم في تسهيل تدفق الحجاج نحو الأراضي المقدسة.
نجاح لوجستي رغم التحديات
ويرى مراقبون أن قدرة المملكة العربية السعودية على استقبال هذا العدد الكبير من الحجاج في ظل ظروف إقليمية معقدة يعكس مستوى متقدمًا من التخطيط اللوجستي وإدارة الحشود، إضافة إلى التنسيق العالي بين الجهات الحكومية والأمنية والصحية والنقل الجوي.
وتعمل السلطات السعودية سنوياً على تنفيذ خطة متكاملة لموسم الحج تشمل إدارة المنافذ الجوية والبرية والبحرية، وتنظيم حركة النقل الداخلي، وتوفير الخدمات الصحية والأمنية، إلى جانب إدارة الحشود في المشاعر المقدسة.
وفي هذا السياق، تؤكد الجهات المعنية أن الأولوية القصوى هي لضمان سلامة الحجاج وانسيابية تحركاتهم، مع تقليل أي تأثيرات محتملة قد تنجم عن الازدحام أو التحديات اللوجستية.
مقارنة بالأعوام السابقة
وبالمقارنة مع موسم الحج العام الماضي، تشير البيانات إلى أن عدد الحجاج الدوليين هذا العام شهد استقراراً نسبياً مع زيادة طفيفة، حيث بلغ عدد الحجاج في عام 2025 نحو 1,673,320 حاجاً، من بينهم 1,506,576 من خارج المملكة.
ويعني ذلك أن عدد القادمين من الخارج هذا العام تجاوز بالفعل أرقام العام الماضي في بعض الإحصاءات الأولية، وهو ما يعكس استمرار الطلب المرتفع على أداء فريضة الحج رغم الظروف الإقليمية الصعبة.
ويرى خبراء في شؤون الحج أن هذا الاستقرار في الأعداد يعكس نجاح السياسات التنظيمية السعودية في إدارة موسم الحج، بما في ذلك أنظمة التصاريح الرقمية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين كفاءة النقل والخدمات.
دور شركات الطيران الخليجية
وتلعب شركات الطيران الخليجية دوراً محورياً في نقل الحجاج من مختلف أنحاء العالم، خاصة من الدول الآسيوية التي تمثل النسبة الأكبر من الحجاج الدوليين، مثل إندونيسيا، باكستان، الهند، بنغلاديش، وماليزيا.
وقد كثفت هذه الشركات خلال موسم الحج رحلاتها اليومية، مع تشغيل رحلات إضافية مخصصة للحجاج، في إطار خطط استثنائية تهدف إلى استيعاب الطلب المتزايد خلال فترة زمنية قصيرة.
كما ساهمت بعض شركات الطيران في إعادة جدولة رحلاتها بعد اضطرابات سابقة في المجال الجوي الإقليمي، ما ساعد على تقليل التأخير وضمان وصول الحجاج في الوقت المناسب.
إجراءات تنظيمية مشددة
وفي إطار الاستعدادات، عززت السلطات السعودية إجراءاتها التنظيمية في المطارات والمنافذ، بما يشمل استخدام أنظمة إلكترونية متقدمة لتسريع إجراءات الدخول، وتوسيع فرق العمل الميداني، وتوفير خدمات دعم متعددة اللغات للحجاج القادمين من مختلف الدول.
كما تم نشر فرق أمنية وطبية متخصصة في مواقع الوصول، لضمان التعامل الفوري مع أي حالات طارئة، إضافة إلى تنفيذ خطط إرشاد وتوجيه داخل المطارات لتسهيل حركة الحجاج.
رسالة استقرار في منطقة مضطربة
ويُنظر إلى نجاح موسم القدوم لهذا العام باعتباره رسالة استقرار إقليمي، في ظل استمرار التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة، حيث تسعى المملكة إلى فصل الشعائر الدينية عن الصراعات السياسية، وضمان استمرار الحج كأحد أكبر التجمعات الدينية في العالم دون تأثير مباشر من الأحداث الجارية.
ويؤكد مسؤولون سعوديون أن “الحج سيبقى رمزاً للوحدة الإسلامية والتعايش، بعيداً عن أي تجاذبات سياسية أو عسكرية”، مشددين على أن جميع الإجراءات المتخذة تهدف إلى حماية الحجاج وتسهيل أداء مناسكهم.
ومع اقتراب انطلاق المناسك رسمياً، تدخل المملكة المرحلة الأهم من موسم الحج، حيث تتجه الأنظار إلى المشاعر المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وسط استعدادات مكثفة لضمان أداء الركن الخامس من أركان الإسلام في أجواء آمنة ومنظمة.
وبين التحديات الإقليمية وتعقيدات السفر، يبدو أن موسم الحج هذا العام يثبت مرة أخرى قدرة التنظيم والإدارة على تجاوز الأزمات، واستمرار تدفق الملايين إلى الأراضي المقدسة في واحد من أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم.










