طهران تؤكد عودة النشاط الملاحي تدريجياً تحت إشراف القوات الإيرانية.. وسفن آسيوية تتصدر حركة المرور وسط استمرار القيود على السفن المرتبطة بـ”الدول المعادية”
طهران – المنشر الإخبارى
أعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم الأحد، تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات عبور السفن عبر مضيق هرمز، في مؤشر على عودة تدريجية للنشاط الملاحي في واحد من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، وذلك بعد أسابيع من التوترات العسكرية والتشديدات الأمنية التي فرضتها طهران عقب الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال قسم العلاقات العامة في القوات البحرية التابعة للحرس الثوري، في بيان رسمي، إن 33 سفينة عبرت مضيق هرمز خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مشيراً إلى أن الرقم يمثل زيادة تقارب 50% مقارنة بالأرقام التي أُعلنت مطلع الأسبوع الجاري، كما يعد قفزة كبيرة مقارنة بمعدلات العبور التي سُجلت خلال الأيام الأولى من التصعيد العسكري في مارس الماضي.
ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه إيران إلى تقديم نفسها باعتبارها الجهة المسيطرة فعلياً على أمن الملاحة في الخليج العربي، في ظل استمرار التوترات الإقليمية، والقيود التي فرضتها على حركة السفن منذ إعلان واشنطن فرض حصار بحري على الموانئ والسفن الإيرانية.
ووفقاً للبيان، فإن السفن التي عبرت المضيق خلال الفترة الأخيرة شملت ناقلات نفط، وسفن حاويات، وسفن شحن تجاري متنوعة، مضيفاً أن جميعها حصلت مسبقاً على تصاريح عبور من القوات البحرية الإيرانية، ضمن ما وصفه الحرس الثوري بـ”الترتيبات الأمنية الجديدة” التي باتت تحكم الملاحة في المضيق.
وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني، نقلاً عن مصادر بحرية، بأن السفن القادمة من الصين والهند وباكستان سجلت أعلى معدلات عبور خلال الأيام الأخيرة، نتيجة ما وصفه بـ”التنسيق المباشر” مع السلطات الإيرانية، في وقت لا تزال فيه نحو 240 سفينة تنتظر الحصول على موافقات للمرور عبر المضيق.
ويعد مضيق هرمز من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب خمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وأسعار النفط والسلع.
وكانت إيران قد شددت القيود على المضيق بعد اندلاع الحرب الأخيرة، وأعلنت حينها فرض ترتيبات أمنية جديدة، تضمنت تفتيش السفن، وفرض قيود على بعض السفن المرتبطة بدول تعتبرها طهران “معادية”، بالإضافة إلى مراقبة إلكترونية وعسكرية مكثفة للملاحة البحرية.
وقال الحرس الثوري، في بيانه، إن قواته “تواصل تنفيذ السيطرة الذكية على مضيق هرمز بقوة”، متهماً الولايات المتحدة بأنها تسببت في “تصعيد حالة انعدام الأمن” داخل الممر البحري من خلال ما وصفه بـ”الأعمال العدوانية للقوات العسكرية الأمريكية”.
وفي الأسابيع الماضية، تحوّل مضيق هرمز إلى نقطة اشتباك سياسي واقتصادي رئيسية في الأزمة الإقليمية، بعدما أعلنت إيران أن أي عودة كاملة لحركة الملاحة الطبيعية ستظل مرتبطة بوقف “العدوان الأمريكي الإسرائيلي” ورفع العقوبات والحصار المفروض عليها.
كما ألمحت طهران إلى أن الوضع في المضيق “لن يعود كما كان قبل الحرب”، مؤكدة أن السفن التابعة لدول تعتبرها “معادية” ستظل تواجه قيوداً خاصة، بينما ستُفرض رسوم عبور وإجراءات إضافية على بعض السفن الأخرى.
ويرى مراقبون أن ارتفاع أعداد السفن العابرة خلال الأيام الأخيرة يعكس محاولة إيرانية لإظهار قدرتها على إدارة المضيق دون تعطيل كامل لحركة التجارة العالمية، في الوقت الذي تستخدم فيه ورقة الملاحة البحرية كأداة ضغط سياسية واقتصادية في مفاوضاتها مع واشنطن وحلفائها.
كما يشير هذا التحسن النسبي في حركة العبور إلى نجاح جزئي للمساعي الدبلوماسية الإقليمية، خصوصاً بعد الوساطات التي قادتها باكستان وقطر خلال الأسابيع الماضية لخفض التوترات واحتواء خطر اتساع الحرب في الخليج.
لكن رغم عودة جزء من الحركة التجارية، لا تزال شركات الشحن العالمية وشركات التأمين البحري تتعامل بحذر شديد مع الوضع في المنطقة، في ظل استمرار المخاوف من اندلاع مواجهات جديدة أو فرض قيود إضافية بشكل مفاجئ.
وخلال الشهر الماضي، تسبب تشديد الإجراءات الإيرانية في المضيق في ارتفاع ملحوظ بأسعار النفط العالمية، إلى جانب زيادة تكاليف الشحن والتأمين البحري، وسط تحذيرات دولية من تداعيات أي تعطيل طويل الأمد لحركة التجارة والطاقة عبر الخليج.
في المقابل، تؤكد إيران أن إجراءاتها تأتي في إطار “حماية الأمن القومي” والرد على ما تصفه بالحصار البحري الأمريكي، مشددة على أنها لا تستهدف التجارة الدولية بشكل كامل، وإنما تسعى إلى “إعادة تنظيم الملاحة” بما يخدم مصالحها الأمنية والسيادية.
ويرى خبراء أن المشهد الحالي يعكس تحولاً استراتيجياً في معادلة السيطرة على الخليج، حيث باتت إيران تتعامل مع مضيق هرمز باعتباره ورقة نفوذ مركزية، ليس فقط في الصراع العسكري، وإنما أيضاً في التوازنات الاقتصادية والسياسية الإقليمية.
ومع استمرار المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، يبقى مستقبل الملاحة في مضيق هرمز مرتبطاً بمصير التفاهمات السياسية والأمنية الجارية، وسط مخاوف دولية من أن أي انهيار جديد للهدنة قد يعيد المنطقة سريعاً إلى حافة مواجهة واسعة تهدد أمن الطاقة العالمي.










