قوى مدنية تطرح تصوراً سياسياً شاملاً يرفض إعادة إنتاج نفوذ السلاح ويفتح مساراً انتقالياً نحو تسوية تاريخية شاملة
الخرطوم – المنشر الإخباري
في تطور سياسي لافت يعكس تصاعد الضغوط لإنهاء الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023، أطلقت قوى وشخصيات مدنية سودانية بارزة وثيقة سياسية جديدة تحت عنوان “خارطة الطريق: طريق جديد يستديم الحلول ويستعيد روح الثورة”، تتضمن مقترحاً لوقف شامل لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، إلى جانب تصور متكامل لمرحلة انتقالية تقود إلى دولة مدنية ديمقراطية.
وتأتي هذه المبادرة في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أعقد وأخطر الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، مع استمرار المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، واتساع رقعة الانهيار الأمني والاقتصادي والخدمي في عدد من الولايات، ما دفع أطرافاً مدنية للبحث عن مخرج سياسي عاجل يمنع مزيداً من التدهور.
وقف إطلاق نار لمدة 3 أشهر… مدخل لتهدئة شاملة
وتقترح الوثيقة إعلان هدنة إنسانية وسياسية لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، تقوم على تجميد خطوط القتال الحالية، ووقف العمليات العسكرية في مختلف الجبهات، مع فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
وبحسب ما ورد في المبادرة، فإن هذا التوقف المؤقت لا يُعد نهاية للصراع، بل خطوة تأسيسية لتهيئة بيئة سياسية وأمنية مناسبة لإطلاق مفاوضات أوسع، تقلل من حدة التصعيد وتفتح الباب أمام تسويات تدريجية قابلة للتنفيذ على الأرض.
رفض “مكافأة أمراء الحرب” وإعادة صياغة الدولة
وشددت الوثيقة على أن أي عملية سلام مستقبلية يجب ألا تتحول إلى وسيلة لإعادة تدوير القوى المسلحة أو “مكافأة أطراف الحرب”، محذرة من إعادة إنتاج نفس المنظومات التي قادت إلى الأزمة الحالية.
وأكدت ضرورة إبعاد رموز النظام السابق، خصوصاً قيادات حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، عن المشهد السياسي، مع الدفع نحو تأسيس نظام حكم مدني كامل يقوم على المحاسبة والشفافية وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.
كما دعت المبادرة إلى إعادة هيكلة شاملة للقطاع الأمني والعسكري عبر توحيد القوات المسلحة السودانية ضمن جيش وطني واحد، وإنهاء ظاهرة الميليشيات والجيوش الموازية، بما يضمن احتكار الدولة للقوة المسلحة في إطار دستوري واضح.
أزمة إنسانية تتفاقم… أرقام صادمة
وفي سياق توصيف الوضع الإنساني، حذرت الوثيقة من انهيار واسع النطاق في الظروف المعيشية، مشيرة إلى أن أكثر من 24.6 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في حين تجاوز عدد النازحين واللاجئين 13 مليون شخص داخل السودان وخارجه.
واعتبرت القوى المدنية أن هذه الأرقام تعكس “انهياراً شبه كامل للبنية الإنسانية في البلاد”، ما يجعل من وقف إطلاق النار المقترح ضرورة ملحة لا يمكن تأجيلها، وليس مجرد خيار سياسي قابل للنقاش.
مسار سياسي شامل… لحل جذور الأزمة
وتقترح “خارطة الطريق” إطلاق عملية سياسية شاملة تضم جميع الأطراف الفاعلة، بما في ذلك الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة، إلى جانب القوى المدنية، بهدف التوصل إلى تسوية نهائية تعالج جذور الصراع وليس فقط نتائجه.
ويتضمن هذا المسار مناقشة ملفات أساسية وحساسة، من بينها قضايا الهوية الوطنية، ونظام الحكم، وبناء الدولة، والعدالة الانتقالية، وآليات المحاسبة على الانتهاكات وجرائم الحرب، وصولاً إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
نحو “وطن جديد” بعد الحرب
وتؤكد الوثيقة أن الهدف النهائي لا يقتصر على إنهاء القتال، بل يتجاوز ذلك نحو بناء “وطن جديد” يقوم على مبادئ الحرية والمواطنة المتساوية والديمقراطية، مع إنهاء إرث الصراعات المسلحة الممتد لعقود طويلة.
كما تشدد على أن نجاح أي مبادرة للسلام مرهون بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى أطراف النزاع، إلى جانب دعم إقليمي ودولي فاعل يضمن تنفيذ الاتفاقات وعدم انهيارها على الأرض.
اختبار حاسم لمستقبل السودان
وتضع هذه “الخارطة” السودان أمام مقترح سياسي واسع النطاق يجمع بين الحلول الإنسانية العاجلة والمسار السياسي الشامل، في محاولة لكسر دائرة الحرب المستمرة وفتح نافذة انتقالية جديدة قد تكون الأكثر جدية منذ اندلاع الصراع.
وبينما يترقب الشارع السوداني مآلات هذه المبادرة، تبقى التحديات المرتبطة بقبول الأطراف المتحاربة وتنفيذ وقف إطلاق النار، هي الاختبار الحقيقي لقدرة هذه الوثيقة على التحول من رؤية سياسية إلى واقع ملموس على الأرض.











