ألمانيا وهولندا تؤسسان مركز قيادة عسكري مشترك لإدارة عمليات حلف الناتو على الجناح الشرقي وسط تصاعد التوترات مع موسكو
بروكسل – المنشر الإخباري
أعلنت ألمانيا وهولندا عن إنشاء مركز قيادة عسكري تكتيكي مشترك جديد في منطقة البلطيق خلال العام الجاري، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي “الناتو” على الجبهة الشرقية، ورفع مستوى الردع العسكري في مواجهة روسيا، وسط تصاعد المخاوف الأوروبية من التهديدات الأمنية والهجينة في شرق القارة.
وأكدت وزارة الدفاع الألمانية، في بيان رسمي، أن مركز القيادة المشترك المعروف باسم “الفيلق الألماني الهولندي الأول” (1GNC) سيتولى خلال الأشهر المقبلة أدواراً قيادية مباشرة في مناطق إستونيا ولاتفيا، ضمن القوات المنتشرة التابعة للناتو على الحدود الشرقية للحلف.
ويأتي الإعلان في وقت يشهد فيه بحر البلطيق ومحيطه توترات متزايدة، سواء بسبب الحرب الأوكرانية المستمرة، أو مع تصاعد التحذيرات الأوروبية من عمليات اختراق للمجال الجوي باستخدام الطائرات المسيّرة، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بأمن البنية التحتية البحرية والطاقة والاتصالات في المنطقة.
قيادة جديدة لتعزيز الردع
ووفق البيان الألماني، فإن إنشاء مركز قيادة إضافي في البلطيق يهدف إلى تعزيز تماسك الحلف الأطلسي، وتحسين سرعة الاستجابة العسكرية لأي تطورات ميدانية محتملة، إلى جانب دعم خطط الردع ضد أي تحركات روسية مستقبلية.
ويُعد “الفيلق الألماني الهولندي الأول” أحد أهم مراكز القيادة البرية التابعة للناتو، إذ يمتلك القدرة على إدارة عمليات عسكرية واسعة النطاق تشمل ما يصل إلى 50 ألف جندي، إضافة إلى مسؤوليته عن التخطيط للمناورات العسكرية، وإعداد سيناريوهات الحرب، وإدارة العمليات القتالية عند الضرورة.
ويتمركز هذا الفيلق حالياً في مدينة مونستر الألمانية، بينما تخضع قوات الناتو في منطقة البلطيق في الوقت الراهن لقيادة مركز عسكري رئيسي في مدينة شتشيتسين البولندية.
وترى برلين وأمستردام أن إنشاء مقر قيادة إضافي في البلطيق سيمنح الحلف مرونة عملياتية أكبر، خصوصاً مع توسع نطاق التهديدات الأمنية على الحدود الشرقية لأوروبا.
رسالة مباشرة إلى موسكو
ويرى مراقبون أن الخطوة تحمل رسالة سياسية وعسكرية واضحة إلى روسيا، مفادها أن حلف الناتو مستمر في تعزيز وجوده العسكري شرق أوروبا، ولن يتراجع عن دعم دول البلطيق والجبهة الشرقية.
كما تأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية أوسع يتبناها الحلف منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تقوم على إعادة توزيع القوات والمراكز القيادية ورفع الجاهزية العسكرية في المناطق القريبة من الحدود الروسية.
وأكدت وزارة الدفاع الألمانية أن الخطوة الجديدة تعكس التزام ألمانيا وهولندا بتحمل مسؤولياتهما في إطار الدفاع الجماعي عن الحلف، خاصة مع تنامي المخاطر الأمنية في أوروبا الشرقية.
قيادة مشتركة بين برلين وأمستردام
ويتناوب على قيادة الفيلق الألماني الهولندي كل من ألمانيا وهولندا، في إطار شراكة عسكرية ممتدة منذ تأسيس الفيلق عام 1995.
وتتولى ألمانيا حالياً القيادة حتى مطلع عام 2028، بمشاركة 14 دولة من أعضاء حلف الناتو، توفر طواقم دعم عسكرية وعملياتية للمقر المشترك.
ويُنظر إلى هذا الفيلق باعتباره أحد النماذج الأكثر تطوراً للتكامل العسكري داخل الحلف الأطلسي، حيث يجمع بين القوات البرية وأنظمة القيادة والسيطرة والتخطيط العملياتي المشترك.
“حارس البلطيق” وتزايد المخاوف الأمنية
وتأتي الخطوة بالتزامن مع استمرار حلف الناتو في تنفيذ برنامج “حارس البلطيق”، الذي أطلقه الحلف منتصف يناير من العام الماضي بهدف تعزيز أمن البنية التحتية الحيوية في بحر البلطيق.
وجاء البرنامج بعد سلسلة من حوادث التخريب والاشتباه في استهداف خطوط الطاقة والاتصالات البحرية، وهو ما دفع دول الحلف إلى رفع مستوى المراقبة البحرية والجوية في المنطقة.
كما حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مؤخراً من أن تزايد اختراقات الطائرات المسيّرة في أجواء الاتحاد الأوروبي لم يعد مجرد حوادث منفصلة، بل يمثل مؤشراً على تصاعد “التهديدات الهجينة” التي تواجهها أوروبا.
وفي السياق ذاته، عبّر مسؤولون أوروبيون وقادة من دول البلطيق عن مخاوف متزايدة من تنامي الضغوط الروسية على الحدود الشرقية، سواء عبر النشاط العسكري أو الحرب السيبرانية أو استهداف البنية التحتية.
أهمية البلطيق استراتيجياً
وتُعد منطقة البلطيق من أكثر المناطق حساسية بالنسبة لحلف الناتو، نظراً لقربها المباشر من روسيا، واحتوائها على ممرات بحرية وتجارية وعسكرية استراتيجية.
كما تمثل دول البلطيق الثلاث — إستونيا ولاتفيا وليتوانيا — خط الدفاع الأول للحلف في مواجهة أي تصعيد محتمل مع موسكو.
ومنذ بدء الحرب في أوكرانيا، ضاعف الناتو وجوده العسكري في المنطقة عبر نشر قوات إضافية وأنظمة دفاع جوي ومعدات ثقيلة، إلى جانب تنظيم تدريبات عسكرية واسعة النطاق بشكل دوري.
خلفية تاريخية
وتُعد هولندا من الدول المؤسسة لحلف شمال الأطلسي، إذ وقّعت على معاهدة واشنطن عام 1949، بينما انضمت ألمانيا الغربية إلى الحلف عام 1955 خلال فترة الحرب الباردة، قبل أن تشمل العضوية لاحقاً ألمانيا الموحدة بعد إعادة التوحيد عام 1990.
ويؤكد مراقبون أن التحركات العسكرية الجديدة تعكس تحوّلاً كبيراً في العقيدة الأمنية الأوروبية، مع عودة أجواء المواجهة العسكرية التقليدية إلى القارة بعد سنوات من التركيز على ملفات الاقتصاد والطاقة والهجرة.











