موسكو، في خطوة دبلوماسية تعكس عمق الأزمة المتصاعدة في العلاقات بين موسكو ويريفان، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، اليوم السبت 30 مايو 2026، عن استدعاء سفيرها لدى جمهورية أرمينيا، سيرغي بافلوفيتش كوبيركين، إلى العاصمة موسكو لإجراء “مشاورات عاجلة”.
يأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه العلاقات الروسية-الأرمينية حالة من الفتور غير المسبوق، مدفوعة بمساعي القيادة الأرمينية نحو تعزيز التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وهو توجه تراه موسكو تهديدا لمصالحها الاستراتيجية في منطقة القوقاز.
“التقارب الأوروبي”: ذريعة موسكو للصدام
أوضحت الخارجية الروسية في بيان رسمي نشرته وكالة “ريا نوفوستي” أن قرار استدعاء السفير جاء كرد فعل مباشر على ما وصفته بـ “خطوات القيادة الأرمينية نحو التقارب مع الاتحاد الأوروبي”.
وتعتبر موسكو أن هذه التحركات الأرمينية تضر بجوهر التعاون والتكامل داخل “الاتحاد الاقتصادي الأوراسي”، وهو التكتل الذي تراه روسيا العمود الفقري لنفوذها الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة. ويبدو أن الكرملين قرر رفع سقف التحدي، ناقلا الرسالة من القنوات الدبلوماسية الهادئة إلى إجراءات تصعيدية مباشرة.
بوتين يلوح بـ “العصا الاقتصادية”
لم يقتصر رد الفعل الروسي على الجانب الدبلوماسي، بل كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مؤتمر صحفي، عن حزمة من الإجراءات الاقتصادية العقابية التي قد تواجهها أرمينيا في حال قررت المضي قدما في مسارها أو الخروج من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
ووضع بوتين يريفان أمام واقع جديد، مشيرا إلى أن الامتيازات التي تتمتع بها أرمينيا حاليا “لن تكون مطروحة على الطاولة” إذا ما اختارت الابتعاد عن الفلك الروسي.
وتضمنت تحذيرات بوتين جوانب حيوية تمس حياة المواطنين الأرمن والاقتصاد الوطني، منها:
سوق العمل: توسيع نطاق متطلبات المهاجرين من دول رابطة الدول المستقلة لتشمل الأرمن، بما في ذلك إلزامية شراء “تصاريح عمل” والاشتراط بالإقامة لمدة خمس سنوات للحصول على التأمين الصحي الإلزامي.
قطاع النقل: العودة إلى نظام التصاريح الصارم لشركات النقل البري الأرمينية، وهو مجال وصفه بوتين بأنه “معقد للغاية”.
الطاقة والتعريفات: الانتقال من تعريفات الشحن بالسكك الحديدية الروسية المحلية المخفضة إلى مستويات التعريفات المرتفعة المطبقة على دول رابطة الدول المستقلة، بالإضافة إلى توقع زيادة في أسعار الطاقة.
رسالة واضحة: لا مجال للمناورة
أكد الرئيس الروسي أن المطلوب الآن هو التحدث بـ “وضوح وصراحة وصدق”، في إشارة إلى رفض موسكو للسياسات الأرمينية التي تحاول الموازنة بين الشرق والغرب.
ويرى محللون أن هذه التحذيرات هي رسالة مباشرة للقيادة الأرمينية بأن “التفضيلات” الاقتصادية الحالية هي ثمن للتحالف الاستراتيجي مع موسكو، وليست حقوقا مكتسبة.
ومع استدعاء السفير كوبيركين، يبدو أن موسكو بدأت مرحلة “المراجعة الشاملة” لعلاقتها مع يريفان. وبينما يترقب العالم رد فعل الحكومة الأرمينية، تظل التساؤلات مطروحة حول قدرة أرمينيا على تحمل تبعات هذا الانفصال الاقتصادي عن روسيا في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.










