يستعرض هذا التقرير كيف تشكل المعتقدات الدينية الخمسينية لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد رؤيته السياسية، وتأثير ‘لاهوت الازدهار’ على أسلوب حكمه، وإدارة الصراعات، ومشاريع التنمية في إثيوبيا
أديس أبابا –في المشهد السياسي الإثيوبي المعقد، لا يمكن قراءة أسلوب حكم رئيس الوزراء آبي أحمد بمعزل عن إيمانه العميق وتكوينه الفكري الذي يمتزج فيه الطموح السياسي بالعقيدة الدينية.
فمنذ توليه السلطة في عام 2018، لم يكتف آبي أحمد بتقديم نفسه كقائد سياسي تقليدي، بل تبنى خطابا استلهم جذوره من “لاهوت الازدهار” المرتبط بالتيار البروتستانتي الخمسيني، مما أضفى على قيادته صبغة خلاصية يرى فيها الكثير من المراقبين مفتاحا لفهم قراراته وتوجهاته الاستراتيجية.
بين “المشيئة الإلهية” والسياسة الواقعية
يؤكد الصحفي توم غاردنر، في كتابه “مشروع آبي: الرب، السلطة، والحرب في إثيوبيا الجديدة”، أن الدين ليس مجرد خلفية في حياة رئيس الوزراء، بل هو المحرك الأساسي لرؤيته للعالم.
ويرى غاردنر أن آبي أحمد ينظر إلى نفسه بوصفه “أداة للمشيئة الإلهية”، حيث يعتقد أن قيادته لإثيوبيا تحمل رسالة ذات غاية مقدسة. هذا التأطير العقدي، بحسب غاردنر، يخلق تحديات ديمقراطية جسيمة؛ إذ إنه يميل إلى تضييق مساحة المعارضة، فعندما تصور السياسات على أنها تجسيد لغاية سماوية، تصبح معارضتها ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل خروجا عن “المسار الصحيح”.
ولد آبي أحمد لأسرة متعددة الأديان – أب مسلم وأم مسيحية أرثوذكسية – لكنه اتخذ مسارا مختلفا باعتناقه المسيحية الخمسينية (البنكستي) في بداية الألفية، وتحديدا عبر “كنيسة المؤمنين الإنجيليين الكاملين”.
ورغم أن هذا التراث المختلط استخدم أحيانا كرمز للوحدة الوطنية، إلا أن أسلوب حكمه يستمد زخمه الأول من جذوره الخمسينية التي تركز على التحول الشخصي، التجديد الوطني، والتفاؤل المفرط بالمستقبل.
“حزب الازدهار”: لاهوت يتحول إلى سياسة
في ديسمبر 2019، أقدم آبي أحمد على خطوة استراتيجية بتأسيس “حزب الازدهار” (Prosperity Party)، وهو اسم يحمل دلالات تتجاوز المعنى الاقتصادي. فمصطلح “بيلتس إيجينا” (الازدهار/النجاح) يرتبط في الفكر الخمسيني بمفاهيم “الاعتراف الإيجابي” والفضل الإلهي الذي يترجم إلى وفرة مادية. ومن خلال هذا الخطاب، ربط آبي أحمد بين تقدم إثيوبيا كأمة وبين “البركة الوطنية”، وهو ما يظهر جليا في تفضيله للمشاريع الضخمة، ممرات الرخاء، والتجديد الحضري، التي يراها علامات مادية للتقدم الإلهي.
يشير باحثون مثل تيرجي أوستيبو إلى أن آبي أحمد يتبنى تقاربا عاطفيا مع “قوة التفكير الإيجابي”، حيث يطرح رؤيته السياسية “ميديمر” (التآزر) كأداة لتجاوز الانقسامات.
ومع ذلك، يرى نقاد أن هذا الخطاب يضفي طابعا مقدسا على المشاريع الحكومية، مما يجعل من الصعب نقدها أو المطالبة بالمساءلة حول تكلفتها الاجتماعية والمالية، محولين السياسة من ساحة للتفاوض إلى سردية “خلاص وطني”.
التحديات الهيكلية في مواجهة الرؤية الخلاصية
رغم البريق الذي أحاط ببدايات ولايته – حيث حاز جائزة نوبل للسلام عام 2019 بفضل تقاربه التاريخي مع إريتريا – واجه آبي أحمد واقعا إثيوبيا شديد التعقيد. فإرث السياسة العرقية، والصراعات الداخلية في تيغراي وأمهرة، والأزمات الاقتصادية الخانقة، وضعت طموحاته الفردية في صدام مباشر مع عوامل هيكلية راسخة.
يعد آبي أحمد “الرجل المناسب” الذي جاء في لحظة فارقة، كونه من الأورومو، أكبر المجموعات العرقية، مما مكنه من التماهي مع طموحات التغيير في 2018، لكن خبرته العسكرية والاستخباراتية، جنبا إلى جنب مع خلفيته الدينية، خلقت نمطا قياديا مركزيا ينظر إليه أحيانا كاستبداد مبطن بعباءة الإيجابية.
مخاوف الانقسام الديني
لا يقتصر تأثير خلفيته الدينية على رؤيته السياسية فحسب، بل يمتد إلى حساسية المشهد الديني في إثيوبيا. فبينما ساعد إيمانه في استمالة المجتمعات الإنجيلية سريعة النمو، أثار في الوقت ذاته مخاوف الجماعات الأرثوذكسية (حوالي 40% من السكان) والمسلمة (حوالي 34%)، الذين يتخوفون من نفوذ الخمسينية في أروقة صنع القرار. هذا الخوف من “الأخونة” الدينية أو “المركزية الدينية” يعمق الانقسامات الاجتماعية في بلد يعاني أصلا من توترات هوية حادة.
في الختام، يظل آبي أحمد شخصية متصارعة مع تحديات بلادها الأساسية، فبين محاولاته لتفكيك الفيدرالية العرقية وتوحيد الهوية الوطنية وبين واقع الانقسامات الجغرافية والسياسية، يبقى إيمانه بالرؤية الخلاصية هو المحرك، والمصدر المثير للجدل، لمسار إثيوبيا نحو المستقبل. يبقى السؤال المعلق: هل ستنجح “مشاريع الازدهار” في التوفيق بين طموح القائد الديني والاحتياجات السياسية والاقتصادية الملحة لملايين الإثيوبيين الذين ينتظرون واقعا ملموسا يتجاوز الوعود بالخلاص؟










