في هدوء لافت بعيدا عن صخب التصريحات الرسمية وضجيج المؤتمرات الإقليمية، يجري تحول جيوسياسي عميق في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. تحول لا يقاس بالخطب والبيانات، بل بالمصالح والحسابات الاستراتيجية التي تتشابك وتتضافر في صياغة واقع إقليمي جديد، تقف مصر في قلبه، وتتموضع إريتريا على أجنحته، وتنتظر الصومال والسودان ثماره.
أكثر من مجرد مصر ضد إثيوبيا
الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثير من المحللين حين يتناولون المشهد الراهن في القرن الأفريقي هو اختزاله في ثنائية مبسطة مفادها أن ما يجري مجرد صراع بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل وسد النهضة. هذه القراءة وإن كانت تحمل جزءا من الحقيقة، فإنها تغفل التحول الأعمق الجاري على أرض الواقع.
ما يتشكل اليوم هو كتلة إقليمية ناشئة تضم مصر وإريتريا والقيادة العسكرية السودانية والصومال، تمتد من حوض النيل إلى مضيق باب المندب، ويجمعها ليس الأيديولوجيا ولا الخطاب السياسي، بل المصالح المشتركة والحسابات الاستراتيجية التي يجد فيها كل طرف ما يبحث عنه.
وهذا بالضبط ما يجعل هذه الكتلة أكثر متانة مما يبدو عليه الأمر في نظرة عابرة، فالتحالفات المتجذرة في المنفعة المتبادلة تميل إلى الصمود أكثر من تلك التي تبنى على الحماس الخطابي وحده.
إريتريا: من العزلة إلى الاستراتيجية
لعل أكثر فصول هذه المعادلة إثارة هو ما حدث لإريتريا خلال السنوات الأخيرة. كانت أسمرة تعيش في عزلة متعددة الأوجه؛ عقوبات دولية، وشح في الشراكات، وتوترات إقليمية متراكمة، وانكماش اقتصادي أثقل كاهل الدولة ومواطنيها. كانت إريتريا في المخيلة الدولية بلدا يعرف بالصراع، لا بالجغرافيا والإمكانات.
ثم بدأ المشهد يتغير، بهدوء وتدريج. أدى تنامي الانخراط المصري مع إريتريا إلى تحويل أسمرة من دولة مهمشة دبلوماسيا إلى شريك استراتيجي هام على البحر الأحمر. ولعل منتدى الأعمال المصري الإريتري المقرر في مايو 2026 خير تجسيد لهذا التحول، إذ وسعت القاهرة نطاق مناقشات التعاون لتشمل قطاعات التعدين ومصايد الأسماك والصناعات الدوائية والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية والتصنيع وتطوير الموانئ. قطاعات تحمل في طياتها وعدا بانتعاش اقتصادي طويل الأجل لدولة طال انتظارها.
لم يكن ذلك دبلوماسية رمزية خاوية، بل كان بوابة إلى فرصة نادرة للتنويع وإعادة الاندماج الإقليمي. الخبرات التقنية المصرية، والدراسات الصناعية، والتدريب المهني، والتعاون في البنية التحتية، كل ذلك يترجم على أرض الواقع إلى تخفيف للعزلة الدبلوماسية، وزيادة في الاستثمار، وتوسيع في فرص العمل، وتنويع في التجارة.
لم تعد إريتريا تقرأ من منظور الصراع وحده، بل باتت بوابة جيوسياسية بالغة الأهمية.
عصب: جوهرة البحر الأحمر النائمة
في قلب هذا كله يقع ميناء عصب، ذلك الميناء الإريتري الذي نام طويلا رغم موقعه على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتقف أسمرة على مقربة من مضيق باب المندب، الشريان الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومن خلاله بالمحيط الهندي وطرق التجارة العالمية.
الاهتمام المصري المتزايد بعصب لا يعكس فقط رغبة في التعاون الاقتصادي، بل يجسد أيضا حسابات جيوسياسية طويلة الأمد. ما يجري اليوم من إحياء للبنية التحتية الإريترية لا يخدم أسمرة وحدها، بل قد يفيد المنطقة بأسرها مستقبلا، وربما إثيوبيا ذاتها إن تحسنت العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة وسعت إثيوبيا إلى الوصول إلى عصب تخفيفا لاعتمادها الكبير على ميناء جيبوتي.
وهنا يبرز ما يمكن تسميته بالامتياز الاستراتيجي الإريتري: فسواء استمرت التوترات الإقليمية أو حدثت مصالحة في نهاية المطاف، فإن قيمة عصب لن تتراجع، بل ستواصل ارتفاعها. هذا النوع من النفوذ لا تتمتع به سوى قلة من دول القرن الأفريقي اليوم.
ممر بحري جديد يعيد رسم اللوجستيات
من أبرز التطورات التي لم تحظ بتغطية كافية في هذا المشهد المتحول: إنشاء خطوط شحن مباشرة بين موانئ البحر الأحمر المصرية والإريترية. هذه الخطوة تحمل دلالات تتجاوز التجارة إلى رسم جديد لخارطة النفوذ اللوجستي في المنطقة.
لعقود طويلة، هيمنت جيبوتي على الخدمات اللوجستية التجارية الإقليمية بوصفها المنفذ البحري الرئيسي لإثيوبيا، بينما ظلت إريتريا على هامش هذه الخريطة. اليوم، يتشكل ممر بديل تدريجيا يعزز قدرة إريتريا التجارية المستقلة، ويوسع نطاق الوجود المصري على طول سلاسل الإمداد في البحر الأحمر. الجغرافيا السياسية لم تعد شأنا يناقش في الكتب الأكاديمية فقط، بل باتت تكتب في الموانئ وعلى الخطوط الملاحية.
السودان: الشريك الأمني الاستراتيجي
إذا كانت إريتريا تجني مكاسب اقتصادية في المقام الأول، فإن القيادة العسكرية السودانية بقيادة القوات المسلحة تجني مكاسب عسكرية وسياسية ذات شأن. يبدو أن دعم مصر للقوات المسلحة السودانية تجاوز الدعم الدبلوماسي التقليدي ليشمل تنسيقا عسكريا أعمق يمتد من الدعم اللوجستي إلى التعاون الجوي والمساعدات العسكرية.
والنتائج على أرض المعركة لا تخطئها العين: استعادت القوات المسلحة السودانية زخمها وأطبقت سيطرتها على ما يقارب خمسة وسبعين بالمئة من مساحة السودان، بما في ذلك تأمين العاصمة الخرطوم. وجاءت زيارة عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة في ديسمبر 2025 تعبيرا رمزيا وعمليا عن عمق هذا التنسيق، إذ أشارت التقارير إلى تبادل في اللوجستيات والاستخبارات والتخطيط للعمليات.
بالنسبة للقيادة العسكرية السودانية، هذا يعني تحسينا في القدرات الميدانية، وتعزيزا للشرعية الدولية، وتمكينا من الوضع السياسي في مرحلة ما بعد الحرب. مصر لا تساعد السودان على الصمود فحسب، بل تشارك في تشكيل ملامح مستقبله.
الصومال: السيادة من بوابة الشراكة
أمضت الحكومة الصومالية سنوات تحت وطأة ضغوط خارجية متنافسة، من إثيوبيا ودول الخليج إلى جهات فاعلة أمنية تتنازع على النفوذ. والمرونة الاستراتيجية التي طالما سعت إليها مقديشو بدأت تجد طريقها إليها من خلال الشراكة المتنامية مع مصر.
يشمل التعاون العسكري المصري الصومالي دعم إعادة بناء المؤسسات الأمنية، وتعزيز القدرات في مواجهة حركة الشباب، وتوسيع دور الصومال في منظومة أمن البحر الأحمر. وقد جاءت الاتفاقية الإثيوبية المثيرة للجدل مع أرض الصومال لتسرع هذا التوجه، إذ اعتبرت مقديشو الاتفاقية تهديدا مباشرا لوحدة أراضيها، فيما وجدت القاهرة فيها فرصة لتصعيد الضغط على أديس أبابا على أكثر من جبهة.
بالنسبة للصومال، لا يتعلق الأمر بالانحياز لمحور بعينه، بل بتوسيع خيارات الحركة السيادية في فضاء إقليمي ضيق.
المملكة العربية السعودية: التوازن الهادئ
في مشهد تتصاعد فيه حدة المواقف وتتوضح الانحيازات، تبقى المملكة العربية السعودية اللاعب الأكثر اتزانا وحذرا. لم تنحز الرياض بالكامل إلى أي طرف، بل آثرت الحفاظ على علاقات عمل متوازنة مع الجميع، بما فيهم إثيوبيا وإريتريا، مع استكشاف فرص الاستثمار في مشروع عصب والبنية التحتية الأشمل للبحر الأحمر.
هذا تحوط استراتيجي مدروس في أبهى تجلياته. الرياض تدرك أن الديناميكيات السياسية في القرن الأفريقي قابلة للتغير السريع، لكن التجارة والبنية التحتية للبحر الأحمر ستحافظ على قيمتها بصرف النظر عن نتائج السياسة. التموضع على جبهات متعددة ضمان جيوسياسي طويل الأمد.
لماذا هذه الكتلة مهمة؟
الخلاصة الجوهرية أن هذه الكتلة لا ينبغي قراءتها باعتبارها موقفا عابرا مناهضا لإثيوبيا. كل مشارك يحقق مكاسب ملموسة: إريتريا تعيد انخراطها الاقتصادي وتستعيد حضورها الإقليمي، والقيادة السودانية تحظى بدعم استراتيجي يعيد رسم الميدان، والصومال يعزز شراكاته الأمنية ويوسع هامش سيادته، ومصر تكتسب نفوذا في البحر الأحمر وأوراق ضغط في ملف النيل، والجهات الخليجية تحجز مواقعها في المعادلة التجارية المقبلة.
هذه المصالح المتداخلة تخلق مرونة هيكلية حقيقية لا تعتمد على شخصية قائد أو مزاج حكومة، بل على منطق المنفعة المتبادلة الذي يشغل كل طرف من الداخل.
وهذا يمثل تحديا حقيقيا ومعقدا لإثيوبيا، التي لا تواجه قوة مركزية واحدة بل شبكة من الفاعلين ذوي المنطق المستقل. لكل واحد منهم دوافعه الخاصة التي لا تختزل في علاقته مع أي طرف آخر. إريتريا تبحث عن الاستثمار والمكانة. الصومال يريد ضمانات السيادة. القوات المسلحة السودانية تسعى إلى البقاء السياسي والعسكري. دول الخليج تريد الوصول التجاري. ومصر تسعى إلى الاحتواء الاستراتيجي وتعزيز نفوذها البحري.
القرن الأفريقي يدخل حقبة جديدة
النظام الإقليمي القديم يتآكل بصمت. لسنوات طويلة، هيمنت إثيوبيا على النفوذ السياسي والاقتصادي في القرن الأفريقي بثقل سكانها وعضلاتها العسكرية ونموها الاقتصادي المتسارع. والآن تتبلور بنية موازية، ليست بالضرورة قوية بما يكفي لإزاحة هذا النفوذ دفعة واحدة، لكنها قادرة على تقليمه وتقييده وإعادة توازن المعادلة.
الشراكة المصرية الإريترية، في صيغتها الراهنة، ليست علاقة ثنائية مغلقة. هي جزء من إعادة تنظيم أوسع لمنطقة البحر الأحمر تمتد عبر شمال شرق أفريقيا وممر الخليج، إعادة تنظيم تسير بهدوء وتراكم، بعيدا عن صراخ الأزمات ولغة الإعلانات الرسمية.
وما لم تعالج المصالح الجوهرية لكل مشارك بعينه، فإن هذا التوافق مرشح للتعمق لا للتراجع. لأنه في الجغرافيا السياسية، نادرا ما تبنى التحالفات الأكثر صمودا على العاطفة وحدها، بل على المصالح المشتركة والضرورة الاستراتيجية والفرص الاقتصادية والحسابات الأمنية الدقيقة التي لا ينبئ عنها بيان واحد ولا يفسرها خبر عاجل، بل يكشفها التأمل في المواقع والموانئ والمصالح.










