رغم إنفاق عشرات المليارات وتزويد الحلفاء بمئات الطائرات، كشفت تجربتا أفغانستان والعراق أن التفوق الجوي لا يُشترى بالمال وحده، وأن الجيوش التي بُنيت على الاعتماد الكامل على الدعم الأميركي انهارت أو تعثرت بمجرد تراجع المظلة الأميركية.
واشنطن – المنشر_الاخباري
على مدار أكثر من عقدين، أنفقت الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات لبناء جيوش وقوات أمن في دول خاضت فيها حروبا طويلة، وفي مقدمتها العراق وأفغانستان. وكان أحد أهم أركان هذه الجهود إنشاء قوات جوية حديثة تستطيع دعم القوات البرية، وتأمين العمليات العسكرية، ومواجهة الجماعات المسلحة التي خاضت واشنطن ضدها حروبا مفتوحة.
لكن ما حدث على الأرض كشف مفارقة لافتة؛ فبعد سنوات من التدريب والتسليح والدعم الفني، لم تتمكن هذه القوات الجوية من الاستمرار بشكل مستقل عند تراجع الوجود الأميركي أو انسحاب الخبراء والمتعاقدين العسكريين الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لعمليات التشغيل والصيانة والإسناد.
وأصبح انهيار القوات الجوية الأفغانية عام 2021، والتحديات المستمرة التي واجهتها القوات الجوية العراقية بعد الانسحاب الأميركي، نموذجين بارزين لفشل مشروع بناء شركاء عسكريين قادرين على الاعتماد على أنفسهم.
العقيدة الأميركية.. الحرب من السماء
تعتمد العقيدة العسكرية الأميركية الحديثة على التفوق الجوي باعتباره أحد أهم عناصر الحسم في المعارك. فالطائرات والمروحيات وأنظمة الاستطلاع والمراقبة والضربات الدقيقة تشكل العمود الفقري للعمليات العسكرية الأميركية، سواء في الحروب التقليدية أو في مواجهة الجماعات المسلحة.
ولهذا السبب سعت واشنطن إلى نقل هذا النموذج إلى الجيوش الحليفة التي قامت بإعادة بنائها بعد الغزو أو التدخل العسكري.
لكن المشكلة الأساسية تمثلت في أن الولايات المتحدة لم تنقل فقط الطائرات والمعدات، بل نقلت معها منظومة تشغيل معقدة تعتمد على آلاف الفنيين والمتخصصين وشبكات الدعم اللوجستي والاستخباراتي التي يصعب على الدول الشريكة توفيرها بنفس الكفاءة.
وبالتالي، بدت القوات الجوية الجديدة قوية على الورق، لكنها في الواقع كانت تعتمد بشكل شبه كامل على الخبرات الأميركية.
أفغانستان.. انهيار القوة الجوية قبل سقوط الدولة
عندما أعلن الرئيس الأميركي السابق جو بايدن انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان عام 2021، كان التقدير السائد أن الجيش الأفغاني يمتلك ما يكفي من الإمكانات لمواصلة القتال.
فالقوات الأفغانية كانت تضم مئات الآلاف من الجنود، وتمتلك مئات الطائرات والمروحيات التي كلفت الخزانة الأميركية مليارات الدولارات.
لكن الواقع كان مختلفا تماما.
فمع بدء الانسحاب الأميركي، بدأت حلقات المنظومة العسكرية الأفغانية بالتفكك تباعا، وكانت القوات الجوية أولى الضحايا.
فخلال سنوات الحرب، اعتمد الجيش الأفغاني بصورة شبه كاملة على الإسناد الجوي الأميركي في الاستطلاع والقصف والإخلاء الطبي ونقل الإمدادات والذخائر.
ومع توقيع اتفاق الدوحة وتراجع الضربات الجوية الأميركية، فقدت القوات الأفغانية أهم عنصر كان يمنع حركة طالبان من التوسع السريع.
ومع انسحاب المتعاقدين الأميركيين المسؤولين عن الصيانة، تفاقمت الأزمة بشكل غير مسبوق.
أزمة الصيانة القاتلة
أحد أهم أسباب انهيار سلاح الجو الأفغاني تمثل في مشكلة الصيانة.
فالطائرات الحديثة لا تعتمد فقط على الطيارين، بل تحتاج إلى أعداد ضخمة من المهندسين والفنيين وفرق الإمداد.
وبحسب شهادات مسؤولين أفغان وأميركيين، لم يكن لدى كابول سوى جزء محدود من الكوادر القادرة على صيانة الأسطول الجوي الذي زودتها به الولايات المتحدة.
وعندما غادر المتعاقدون الأميركيون، لم تعد القوات الأفغانية قادرة على إبقاء معظم الطائرات في الخدمة.
وأصبحت أعطال بسيطة تحتاج إلى أسابيع أو أشهر لإصلاحها.
كما تراجعت نسبة الجاهزية القتالية للطائرات بصورة متسارعة، ما أدى إلى خروج أعداد كبيرة منها من الخدمة في فترة قصيرة.
ومع اتساع رقعة المعارك ضد طالبان، ارتفع الضغط على الطائرات المتبقية إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي زاد من استهلاكها وأدى إلى مزيد من الأعطال.
فجوة التعليم واللغة
واجه مشروع بناء سلاح الجو الأفغاني مشكلة أخرى تمثلت في محدودية التأهيل العلمي.
فالكثير من المجندين لم يكونوا يمتلكون مستويات كافية من التعليم أو القدرة على قراءة الكتيبات الفنية المعقدة الخاصة بالطائرات الأميركية.
كما أن غالبية المواد التدريبية كانت باللغة الإنجليزية، ما فرض تحديات إضافية أمام برامج التأهيل.
ووجد المدربون الأميركيون أنفسهم مضطرين لتعليم بعض المجندين أساسيات القراءة والكتابة قبل البدء في التدريب العسكري والفني.
ورغم الجهود المبذولة، بقيت الفجوة المعرفية أحد أهم العوامل التي أعاقت بناء قوة جوية مستقلة.
قرار “بلاك هوك” المثير للجدل
يرى كثير من الخبراء أن أحد أكبر الأخطاء الأميركية تمثل في استبدال المروحيات الروسية التي اعتاد الأفغان تشغيلها وصيانتها بمروحيات “بلاك هوك” الأميركية الأكثر تعقيدا.
فالمروحيات الروسية كانت أكثر ملاءمة للبيئة الأفغانية وأسهل من حيث التشغيل والصيانة.
لكن العقوبات المفروضة على موسكو دفعت واشنطن إلى التحول نحو المنظومات الأميركية.
وأدى هذا القرار إلى زيادة اعتماد القوات الأفغانية على الخبراء الأميركيين والمتعاقدين الأجانب.
وبدلا من تعزيز الاستقلالية، أصبحت القوات الجوية أكثر ارتباطا بالدعم الخارجي.
قواعد كثيرة.. وقدرات محدودة
ورثت الحكومة الأفغانية شبكة واسعة من القواعد والنقاط العسكرية التي كانت تعتمد بشكل كبير على الإمداد الجوي.
لكن قدراتها الفعلية لم تكن تسمح بتأمين هذا العدد الهائل من المواقع.
فبينما احتاجت أكثر من 200 قاعدة إلى الدعم المستمر، لم تكن القوات الجوية قادرة إلا على خدمة جزء محدود منها.
ومع تراجع الإمدادات الجوية، بدأت الحاميات العسكرية تفقد الذخيرة والطعام والدعم الطبي.
وأصبح الجنود يشعرون بأنهم متروكون لمصيرهم.
وسرعان ما انعكس ذلك على الروح المعنوية التي انهارت بصورة متسارعة.
العراق.. تجربة مختلفة بالنتيجة نفسها
في العراق، لم يكن المشهد مطابقا تماما للحالة الأفغانية، لكنه كشف المشكلات ذاتها.
فبعد الغزو الأميركي عام 2003 وحل الجيش العراقي، بدأت واشنطن مشروع إعادة بناء القوات المسلحة من الصفر.
وفي البداية لم تكن هناك خطط لإنشاء قوة جوية متكاملة.
لكن تصاعد أعمال المقاومة المسلحة دفع الولايات المتحدة إلى تغيير استراتيجيتها.
وبدأت عملية بناء سلاح جو عراقي جديد يعتمد على الطائرات والمروحيات الحديثة.
ومع مرور السنوات توسعت القدرات الجوية العراقية تدريجيا، وارتفع عدد الطائرات والأفراد.
لكن التحديات البنيوية بقيت حاضرة.
فوضى التسليح
عندما واجه العراق تهديد تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، اتجهت بغداد إلى شراء أسلحة من مصادر متعددة.
فإلى جانب المعدات الأميركية، حصلت على طائرات ومروحيات من روسيا والصين وإيران ودول أخرى.
وأدى هذا التنوع الكبير إلى تعقيد عمليات الصيانة والتدريب والإمداد.
فكل منظومة تحتاج إلى قطع غيار مختلفة وبرامج تدريب مستقلة وخبرات متخصصة.
وبدلا من بناء قوة جوية موحدة، وجد العراق نفسه يدير مجموعة متنوعة من الأنظمة التي يصعب دمجها وتشغيلها بكفاءة.
قصة طائرات إف-16
مثلت صفقة طائرات إف-16 ذروة الطموح الأميركي لبناء قوة جوية عراقية حديثة.
فالعراق اشترى عشرات الطائرات المتطورة بمليارات الدولارات.
لكن تشغيل هذه المقاتلات تطلب بنية تحتية تقنية وبشرية معقدة.
ورغم دخول الطائرات الخدمة، بقيت مساهمتها الفعلية في المعارك محدودة نسبيا مقارنة بالمروحيات.
وكان السبب الرئيسي هو استمرار الاعتماد على الخبراء والمتعاقدين الأميركيين في جوانب كثيرة من التشغيل والصيانة.
كما واجه العديد من الطيارين العراقيين صعوبات مرتبطة باللغة الإنجليزية ومتطلبات التدريب المتقدمة.
المشكلة الحقيقية.. الاعتماد لا الاستقلال
تكشف التجربتان العراقية والأفغانية أن المشكلة لم تكن في الطائرات نفسها.
فالمعدات التي قدمتها الولايات المتحدة كانت في كثير من الأحيان متطورة وحديثة.
لكن المعضلة الأساسية تمثلت في بناء منظومات تعتمد على الدعم الأميركي بدلا من بناء مؤسسات مستقلة قادرة على الاستمرار وحدها.
فالقوات الجوية ليست مجرد طائرات ومدارج ومطارات.
إنها شبكة معقدة تضم التدريب والصيانة والقيادة والسيطرة والاستخبارات والإمداد والتمويل والكوادر البشرية.
وعندما تغيب إحدى هذه الحلقات، تصبح الطائرات المتطورة مجرد معدات باهظة الثمن عاجزة عن أداء دورها.
دروس استراتيجية
أثبتت التجارب أن بناء قوة جوية وطنية يحتاج إلى سنوات طويلة من الاستثمار في التعليم والتدريب والمؤسسات، وليس فقط شراء المعدات.
كما أظهرت أن فرض نموذج عسكري أجنبي على بيئات مختلفة ثقافيا واقتصاديا قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
فالقوات التي تبدو قوية في ظل الحماية الأميركية قد تواجه صعوبات كبيرة بمجرد اختفاء هذا الدعم.
ولهذا تتجه بعض التقييمات العسكرية الأميركية الحديثة إلى إعادة النظر في فلسفة “بناء الشركاء”، بعد أن أثبتت تجارب العراق وأفغانستان أن النجاح العسكري المؤقت لا يعني بالضرورة بناء مؤسسات قادرة على البقاء.
وفي النهاية، كشفت حروب العقدين الماضيين حقيقة أساسية مفادها أن التفوق الجوي لا يتحقق بامتلاك الطائرات فقط، بل بامتلاك القدرة المستدامة على تشغيلها وصيانتها وإدارتها بصورة مستقلة. وهي المعادلة التي فشلت الولايات المتحدة في تحقيقها في أفغانستان، وواجهت صعوبات كبيرة في ترسيخها داخل العراق، رغم المليارات التي أُنفقت والسنوات الطويلة التي استغرقتها تلك المشاريع.










