تصريحات من هرجيسا تؤكد استعدادها للتعاون مع أديس أبابا بشأن الموانئ وحقوق الوصول البحري وسط رفض صومالي رسمي وتحذيرات من “تقويض السيادة”
أرض الصومال تفتح باب الوصول الإثيوبي إلى البحر.. وتحذيرات من تصعيد سياسي مع مقديشو
في تطور سياسي لافت يعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الملفات حساسية في القرن الإفريقي، أعلنت سلطات إقليم أرض الصومال (Somaliland) صموليلاند ، استعدادها لفتح حوار مباشر مع الحكومة الإثيوبية بشأن منحها إمكانية الوصول إلى البحر، مؤكدة أن إثيوبيا “لها حق مشروع في الوصول إلى الموانئ البحرية” باعتبارها دولة حبيسة تعتمد بشكل كامل على الموانئ الخارجية في تجارتها الدولية.
ويأتي هذا الموقف في ظل تصاعد النقاشات الإقليمية حول مستقبل الممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، وتزايد أهمية الموانئ في كل من جيبوتي والصومال وإريتريا كمراكز استراتيجية لحركة التجارة العالمية.
تصريحات هرجيسا: “إثيوبيا شقيقة ولها حق الوصول للبحر”
وقال مسؤولون في إدارة أرض الصومال إن الإقليم منفتح على “محادثات جادة” مع أديس أبابا حول احتياجاتها البحرية، بما في ذلك استخدام أو تطوير مرافق موانئ على سواحل الإقليم.
وأكدت التصريحات أن إثيوبيا تُعتبر “شريكاً استراتيجياً وشقيقاً إقليمياً”، وأن التعاون معها في ملف الموانئ يمكن أن يحقق “مكاسب اقتصادية مشتركة” ويساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتحدث فيه تقارير عن اهتمام إثيوبي متزايد بالوصول إلى منفذ بحري مباشر أو شبه مباشر، سواء عبر اتفاقات طويلة الأمد لإدارة الموانئ أو من خلال ترتيبات لوجستية موسعة.
الخلفية الجيوسياسية: أزمة دولة حبيسة وطموح بحري
تُعد إثيوبيا واحدة من أكبر الدول الحبيسة في العالم، وقد فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993، ما جعلها تعتمد بشكل شبه كامل على موانئ جيبوتي لنحو 90% من تجارتها الخارجية.
هذا الواقع دفع الحكومات الإثيوبية المتعاقبة إلى تبني سياسة استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تنويع منافذها البحرية، سواء عبر اتفاقيات اقتصادية أو تفاهمات سياسية مع دول الجوار.
ويرى مراقبون أن تصريحات أرض الصومال تأتي في سياق هذا الحراك، لكنها تحمل أبعاداً سياسية حساسة نظراً للوضع القانوني للإقليم الذي لا يحظى باعتراف دولي واسع.
رد فعل الحكومة الفيدرالية في مقديشو
في المقابل، قوبلت هذه التصريحات برفض شديد من الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو، التي أكدت أن أي اتفاقات تتعلق بالموانئ أو الأراضي البحرية يجب أن تتم حصراً عبر الحكومة المركزية، وليس عبر إدارات إقليمية.
وقالت مصادر في وزارة الخارجية الصومالية إن أي محاولة لإبرام اتفاقات بين أطراف خارج إطار الدولة الصومالية “تشكل انتهاكاً صريحاً للسيادة الوطنية”، وقد تؤدي إلى توتر خطير في المنطقة.
وأضافت أن أرض الصومال “لا تمتلك الصلاحية القانونية” للدخول في اتفاقات دولية تتعلق بالموارد البحرية أو الموانئ، وأن مثل هذه التحركات قد تُعتبر “غير شرعية” وفق القانون الدولي.
توتر سياسي مزمن بين مقديشو وهرجيسا
يعود الخلاف بين الحكومة الفيدرالية في الصومال وإدارة أرض الصومال إلى عام 1991 عندما أعلنت الأخيرة استقلالها من طرف واحد، وهو إعلان لم تعترف به أي دولة عضو في الأمم المتحدة حتى الآن.
ومنذ ذلك الحين، تدير أرض الصومال شؤونها الداخلية بشكل مستقل، بما في ذلك الأمن والاقتصاد والموانئ، في حين تؤكد مقديشو أن الإقليم جزء لا يتجزأ من الدولة الصومالية.
هذا التباين جعل أي تحركات خارجية لأرض الصومال، خصوصاً في الملفات الاقتصادية أو الأمنية، محاطة بحساسية سياسية عالية، وتثير غالباً ردود فعل دبلوماسية حادة.
موانئ استراتيجية في قلب المعادلة
يمتلك إقليم أرض الصومال ميناءً استراتيجياً بارزاً هو ميناء بربرة، الذي شهد في السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً من شركات استثمارية إقليمية ودولية، نظراً لموقعه القريب من مضيق باب المندب.
ويرى خبراء أن أي تعاون محتمل بين إثيوبيا وأرض الصومال حول الموانئ قد يعيد رسم خريطة التجارة البحرية في المنطقة، وقد يؤثر على موازين النفوذ بين دول القرن الإفريقي، خاصة جيبوتي التي تعتمد اقتصادياً بشكل كبير على رسوم العبور والخدمات اللوجستية.
أبعاد إقليمية ودولية محتملة
يحذر محللون من أن أي اتفاق ثنائي بين أديس أبابا وهرجيسا قد يفتح باباً واسعاً من التوترات السياسية في المنطقة، خصوصاً إذا اعتُبر تجاوزاً للحكومة الصومالية المركزية.
كما أن مثل هذا التطور قد يثير ردود فعل من قوى إقليمية ودولية لها مصالح مباشرة في موانئ البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تمر نسبة كبيرة من التجارة العالمية والطاقة.
وفي المقابل، يرى آخرون أن تعزيز التعاون الاقتصادي قد يساهم في تخفيف حدة التوترات إذا تم ضمن إطار إقليمي شامل يضم جميع الأطراف.
بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات السيادية
تسلط هذه التطورات الضوء على تعقيد العلاقة بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات السيادية في منطقة القرن الإفريقي، حيث تتقاطع طموحات التنمية مع نزاعات سياسية غير محسومة.
وبينما ترى أرض الصومال أن الانفتاح على إثيوبيا فرصة لتعزيز مكانتها الاقتصادية، تعتبر مقديشو أن أي تجاوز لمركزية الدولة يمثل تهديداً مباشراً لوحدة الصومال.
وفي ظل هذا التباين الحاد، يبقى مستقبل أي اتفاق محتمل رهناً بتوازنات سياسية دقيقة، قد لا تقتصر تداعياتها على الدول الثلاث فقط، بل تمتد إلى كامل الإقليم.










