اضطراب ممتد من الشرق الأوسط إلى قلب النظام المالي العالمي
لندن – المنشر الإخباري
تشهد الأسواق المالية العالمية منذ اندلاع الحرب المرتبطة بإيران حالة من عدم الاستقرار المتصاعد، مع اتساع نطاق التأثير ليشمل عملات الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، وسط موجة من التقلبات الحادة في أسعار النفط وارتفاع مستويات التضخم العالمي.
وبينما تتركز الأنظار على التطورات العسكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، تتشكل في الخلفية أزمة اقتصادية أعمق تمسّ أسس النظام المالي الدولي، مع تحركات سريعة لرؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي.
خبراء اقتصاد يرون أن ما يحدث اليوم لا يقتصر على أزمة مؤقتة، بل يمثل “إعادة تسعير شاملة للمخاطر الجيوسياسية” في الأسواق العالمية، حيث باتت العملات أكثر حساسية لأي تطور عسكري أو سياسي في المنطقة.
النفط الشرارة الأولى للأزمة المالية
بدأت موجة الاضطراب مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
هذا الارتفاع انعكس مباشرة على الاقتصادات المستوردة للطاقة، حيث ارتفعت فاتورة الاستيراد بشكل حاد، ما أدى إلى زيادة الضغط على العملات المحلية في عدد من الدول الآسيوية والأفريقية.
وتشير بيانات أسواق الصرف إلى أن عدداً من العملات سجل أدنى مستويات له منذ سنوات، مع تصاعد المخاوف من استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة.
عملات الأسواق الناشئة في دائرة الخطر
تعد الاقتصادات الناشئة الأكثر تأثراً بهذه التطورات، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة أو تعاني من عجز في ميزان المدفوعات.
في مقدمة هذه الدول، تراجعت عملات مثل الروبية الهندية، والبيزو الفلبيني، والجنيه المصري، تحت ضغط مزدوج يتمثل في ارتفاع تكلفة الواردات من جهة، وخروج رؤوس الأموال الأجنبية من الأسواق الناشئة نحو الدولار من جهة أخرى.
ويقول محللون إن هذه المرحلة تشبه أزمات سابقة شهدت “هروباً جماعياً للمستثمرين” نحو الأصول الآمنة، لكن بوتيرة أسرع هذه المرة بسبب تداخل العامل الجيوسياسي مع الضغوط الاقتصادية القائمة بالفعل.
كما لجأت بعض البنوك المركزية إلى إجراءات طارئة، شملت رفع أسعار الفائدة أو التدخل المباشر في سوق الصرف الأجنبي عبر بيع احتياطيات الدولار.
عملات بين الصعود والهبوط الحاد
في المقابل، شهدت عملات أخرى تقلبات حادة دون اتجاه واضح، خاصة في الدول التي تجمع بين تصدير السلع الأولية والاعتماد على الاستيراد في الوقت نفسه.
وتشمل هذه الفئة عملات دول مثل البرازيل وجنوب أفريقيا والمكسيك، حيث استفادت جزئياً من ارتفاع أسعار السلع، لكنها تعرضت لضغوط بسبب تراجع شهية المخاطرة عالمياً.
ويرى خبراء أن هذه العملات أصبحت “مرآة مباشرة” لحركة الأسواق العالمية، ترتفع مع تحسن شهية المستثمرين وتنخفض سريعاً عند أي تصعيد سياسي.
اليوان والروبل: استقرار نسبي تحت السيطرة الحكومية
على الجانب الآخر، أظهرت عملات مثل اليوان الصيني والروبل الروسي قدراً أكبر من الاستقرار النسبي مقارنة بغيرها من العملات.
ويعزو محللون ذلك إلى سياسات حكومية صارمة تشمل قيوداً على حركة رؤوس الأموال وتدخلات مباشرة من البنوك المركزية، بهدف تقليل التقلبات الحادة في أسعار الصرف.
كما استفاد الروبل من ارتفاع عائدات الطاقة، في حين حافظ اليوان على استقراره بفضل إدارة دقيقة لسعر الصرف داخل نطاق محدود تتحكم فيه السلطات النقدية الصينية.
الاقتصادات المتقدمة ليست بمنأى عن العاصفة
رغم قوة اقتصاداتها، لم تكن الدول المتقدمة خارج دائرة التأثير، حيث شهد الدولار الأمريكي والفرنك السويسري ارتفاعاً في بداية الأزمة باعتبارهما ملاذين آمنين، قبل أن يتراجعا نسبياً مع تغير توقعات الأسواق.
أما العملات المرتبطة بالسلع مثل الدولار الكندي والدولار الأسترالي، فقد استفادت من ارتفاع أسعار الطاقة والمعادن، لكنها ظلت حساسة لتوقعات تباطؤ النمو العالمي.
وفي أوروبا، تعرض كل من اليورو والجنيه الإسترليني لضغوط بسبب مخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة.
الدولار يعود إلى مركز النظام المالي العالمي
رغم التذبذبات، يظل الدولار الأمريكي هو اللاعب الرئيسي في هذه الأزمة، كونه العملة الأساسية في تسعير النفط والسلع العالمية، وكذلك العملة الأكثر استخداماً في الديون الدولية.
ويشير اقتصاديون إلى أن أي ارتفاع أو انخفاض في قيمة الدولار ينعكس مباشرة على الاقتصادات الناشئة، سواء من خلال تكلفة الديون أو أسعار الواردات أو تدفقات الاستثمار الأجنبي.
لكن في المقابل، فإن ضعف الدولار في بعض الفترات يمنح الأسواق الناشئة مساحة تنفس مؤقتة، عبر تخفيف كلفة الاقتراض وتقليل الضغوط التضخمية.
تحذيرات من مرحلة اقتصادية أكثر خطورة
يحذر صندوق النقد الدولي ومؤسسات مالية عالمية من أن استمرار التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو سيناريو أكثر قتامة، يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع التضخم في وقت واحد.
وتشير التقديرات إلى أن النمو العالمي قد يتراجع بشكل ملحوظ إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع أو إذا تعطلت سلاسل الإمداد العالمية بشكل أكبر.
كما يحذر خبراء من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤدي إلى موجة جديدة من التشديد النقدي في البنوك المركزية، ما يزيد من تكلفة الاقتراض عالمياً ويضغط على الاستثمارات.
اقتصاد عالمي يعاد تشكيله تحت ضغط الحرب
تظهر التطورات الأخيرة أن الحرب لم تعد مجرد صراع إقليمي، بل أصبحت عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، من أسعار الطاقة إلى حركة العملات وأسواق المال.
وبينما تحاول الحكومات والبنوك المركزية احتواء التداعيات، تبقى الأسواق في حالة ترقب شديد لأي تطور جديد قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي مرة أخرى.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن السؤال لم يعد من سيربح أو يخسر فقط، بل من سيتمكن من الصمود في اقتصاد عالمي يعاد تشكيله تحت ضغط الجغرافيا السياسية والنار في آن واحد.










