طهران تؤكد أن الاتفاق لم يُحسم بعد رغم اقتراب استكمال مسودته، وتتمسك بخطوطها الحمراء وسط اتهامات للولايات المتحدة بالتراجع عن التفاهمات السابقة ومواصلة سياسة الضغوط
طهران – المنشر الإخباري
أكدت إيران أن المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة لم تصل إلى مرحلة الاتفاق النهائي، وذلك بعد ساعات من تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث فيها عن اقتراب التوصل إلى تفاهم بين الجانبين، في وقت شددت فيه طهران على تمسكها بما تصفه بالخطوط الحمراء ورفضها تقديم أي تنازلات تمس مصالحها الوطنية.
وجاء الموقف الإيراني رداً على تصريحات ترامب التي أعلن فيها أن المحادثات مع طهران وصلت إلى مراحل متقدمة، مدعياً أن الأطراف المعنية وافقت على “النقاط النهائية” الخاصة بالتفاهم المقترح، وهو ما دفعه، بحسب قوله، إلى إلغاء ضربات عسكرية كانت مقررة ضد أهداف إيرانية.
إلا أن وكالة “تسنيم” الإيرانية نقلت عن مصدر مطلع تأكيده أن النص المقترح للتفاهم لم يحظ حتى الآن بالموافقة النهائية من الجهات المختصة داخل إيران، مشدداً على أن جميع التقارير التي تتحدث عن اتفاق نهائي أو مصادقة رسمية عليه لا تعكس الواقع الحالي للمفاوضات.
وقال المصدر إن المسودة المطروحة لا تزال قيد الدراسة والمراجعة، وإن اتخاذ القرار النهائي بشأنها يخضع للآليات القانونية والسياسية المعتمدة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، ما يعني أن الطريق لا يزال مفتوحاً أمام مزيد من التعديلات أو النقاشات قبل الوصول إلى أي اتفاق ملزم للطرفين.
وفي السياق ذاته، أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن أجزاء كبيرة من النص المقترح أصبحت شبه مكتملة من الناحية الفنية، لكنه رفض الحديث عن اتفاق نهائي، مؤكداً أن العقبة الرئيسية لا تزال تتمثل في التناقضات المستمرة في المواقف الأميركية.
وأضاف بقائي أن مسار التفاوض شهد خلال الأشهر الماضية العديد من الاضطرابات بسبب تغيير المواقف الأميركية ومحاولة إدخال شروط جديدة على التفاهمات السابقة، معتبراً أن هذه السياسة كانت سبباً رئيسياً في إبطاء تقدم المفاوضات وإضعاف الثقة بين الجانبين.
وبحسب المعلومات التي أوردتها وسائل إعلام إيرانية، فإن الخلافات الأخيرة تركزت حول تعديلات حاولت واشنطن إدخالها على مسودة مكونة من 14 بنداً كانت إيران قد قدمتها خلال جولات التفاوض السابقة. وتقول طهران إن هذه التعديلات غير مقبولة لأنها تتعارض مع المبادئ الأساسية التي قامت عليها المحادثات، فيما ترى واشنطن أنها ضرورية لضمان تنفيذ أي تفاهم مستقبلي.
وأشارت التقارير إلى أن الولايات المتحدة أبلغت إيران عبر وساطة قطرية بأنها لم تعد متمسكة ببعض التعديلات التي أثارت الخلاف، في خطوة اعتبرتها طهران مؤشراً على تراجع أميركي عن بعض المطالب التي كانت محل نزاع خلال الفترة الماضية.
ورغم هذا التطور، تؤكد إيران أن التراجع عن تلك التعديلات لا يعني التوصل إلى اتفاق نهائي، بل يمثل فقط خطوة في إطار مواصلة المفاوضات، التي لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من القضايا العالقة قبل الوصول إلى صيغة نهائية مقبولة من الطرفين.
وتزامنت هذه التطورات مع تحول مفاجئ في خطاب ترامب، الذي كان قد هدد في وقت سابق بشن ضربات عسكرية قوية ضد إيران، قبل أن يعلن لاحقاً إلغاء العمليات المقررة، معتبراً أن التقدم الذي تحقق على المسار السياسي والدبلوماسي يبرر تعليق الخيار العسكري في الوقت الراهن.
لكن المسؤولين الإيرانيين سارعوا إلى التقليل من أهمية هذه التصريحات، مؤكدين أن إيران لم تغير مواقفها نتيجة الضغوط أو التهديدات، وأن أي تقدم في المفاوضات جاء نتيجة تمسكها بمواقفها الأساسية وليس نتيجة استجابتها للضغوط الأميركية.
وفي هذا الإطار، شدد بقائي على أن إيران أثبتت عملياً خلال الفترة الماضية أنها لا تتراجع أمام التهديدات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، مؤكداً أن مصالح الشعب الإيراني وأمن البلاد القومي يمثلان خطوطاً حمراء لا يمكن التفاوض بشأنها أو تقديم تنازلات حولها.
وأضاف أن الجمهورية الإسلامية لو كانت تنوي التراجع تحت الضغط لفعلت ذلك منذ وقت طويل، إلا أنها اختارت الاستمرار في الدفاع عن مصالحها وحقوقها رغم التحديات والضغوط المتزايدة.
من جانبه، أكد محمد مخبر، مستشار قائد الثورة الإسلامية في إيران، أن مستقبل الأزمة مرتبط بمدى استعداد الولايات المتحدة لاحترام المصالح الإيرانية والتعامل معها على أساس الندية والاحترام المتبادل، محذراً من أن استمرار الضغوط أو التهديدات سيؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر.
وقال مخبر إن الإدارة الأميركية ترتكب خطأ إذا اعتقدت أن بإمكانها فرض شروطها على إيران عبر التهديد باستخدام القوة، مؤكداً أن طهران لن تتراجع عن مواقفها ولن تسمح بتحويل المفاوضات إلى أداة لانتزاع تنازلات تمس سيادتها أو مصالحها الاستراتيجية.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار أجواء التوتر بين الجانبين رغم المسار التفاوضي القائم، حيث تتهم إيران الولايات المتحدة بمواصلة الضغوط العسكرية والاقتصادية بالتوازي مع الحديث عن الدبلوماسية، وهو ما تعتبره دليلاً على التناقض بين الخطاب السياسي الأميركي والممارسات الفعلية على الأرض.
ويرى مراقبون أن التصريحات المتبادلة تعكس استمرار الفجوة في الرؤى بين طهران وواشنطن، فبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى إظهار وجود تقدم ملموس يمكن البناء عليه سياسياً، تفضل إيران التعامل بحذر مع أي حديث عن اتفاق نهائي قبل استكمال جميع الإجراءات القانونية والسياسية اللازمة.
ومع أن الجانبين يتفقان على استمرار الاتصالات وعدم انهيار المسار التفاوضي، فإن حجم الخلافات المتبقية ومستوى انعدام الثقة المتراكم خلال السنوات الماضية يجعلان الوصول إلى اتفاق شامل مهمة معقدة تتطلب المزيد من الوقت والتفاهمات المتبادلة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن اكتمال أجزاء كبيرة من النص المقترح، إلى جانب استمرار الوساطات الإقليمية والدولية، يشير إلى أن فرص التوصل إلى تفاهم لا تزال قائمة، وإن كانت مرتبطة بقدرة الطرفين على تجاوز الخلافات الأخيرة والتوصل إلى صيغة تلبي الحد الأدنى من مطالب كل جانب.










