في قلب الغابات الأوكرانية القاتلة، حيث لا تزال جثث القتلى تتحلل بعيداً عن أعين رفاقهم بسبب التهديد المستمر للطائرات بدون طيار، يعيش “مايكل” -اسم مستعار لشاب كيني- فصول تجربة مريرة. لم يكن هذا الشاب يتخيل أن رحلته التي بدأت بوعود عمل “أمني مدني” آمن ستنتهي به مرتزقاً في أتون حرب استنزاف طاحنة، حيث تعلم استخدام البندقية بمراقبة الآخرين بدلاً من تلقي تدريب عسكري حقيقي.
آليات التجنيد: استغلال نقاط الضعف
كشف تقرير حديث صادر عن “مركز الاتصالات الاستراتيجية الأوكراني” عن شبكة معقدة تستخدمها موسكو لاستقطاب آلاف الشباب من دول أفريقية وآسيوية وشرق أوسطية. وتتخذ روسيا من المنح الدراسية، والفعاليات الرياضية، ووكالات التوظيف المضللة غطاءً لإغراء هؤلاء الشباب الذين يعانون من ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة.
وتشير الأرقام الصادرة عن المخابرات الدفاعية الأوكرانية إلى توقيع عقود عسكرية مع نحو 2965 مواطناً أفريقياً حتى الآن، ينحدرون من دول مثل كينيا، مصر، الكاميرون، غانا، نيجيريا، أوغندا، الجزائر، مالي، جنوب السودان، وجنوب أفريقيا.
وعود براقة ونهايات مأساوية
في حالة “مايكل”، ذي الـ 25 عاماً، كان العرض يبدو “فرصة العمر”؛ راتب شهري يبلغ 1700 جنيه إسترليني ومكافأة توقيع تصل إلى 5600 جنيه إسترليني – وهي مبالغ تفوق التصور بالنسبة للكثيرين في بلاده. يقول مايكل: “كنا نطوق لحياة أفضل، لذلك إذا سمعت أنه يمكنك كسب مبلغ جيد من المال، فإن الطمع يحجب عنك حقيقة ما تقدم عليه”.
لكن الواقع كان مغايراً تماماً؛ فبمجرد وصولهم إلى الأراضي الروسية، تُصادر وثائق سفرهم، ويُجبرون على توقيع عقود عسكرية مكتوبة باللغة الروسية التي يجهلونها، ليجدوا أنفسهم فجأة في الخطوط الأمامية.
جنود “يمكن التخلص منهم”
لم تقتصر معاناة الأفارقة على المخاطر الميدانية، بل امتدت لتشمل “العنصرية الممنهجة” وحاجز اللغة الذي عقد تواصلهم مع الوحدات الروسية. وقد وثقت مقاطع فيديو سابقة تصرفات مهينة، حيث سخر جنود روس من زملائهم الأفارقة ووصفتهم بـ”أدوات يمكن التخلص منها”. وفي إحدى الحالات المروعة، ظهر مقطع فيديو لرجل أفريقي يُجبر تحت تهديد السلاح على السير عبر خندق وهو يحمل لغماً أرضياً مربوطاً بصدره لتفجير مواقع أوكرانية.
يصف مايكل طبيعة القتال قائلاً: “كانت معركة طائرات مسيرة في الغالب. لم تكن هناك تدريبات، فقط زودونا بالدروع والبنادق وأمرونا بالانطلاق”.
ضحايا “الاحتيال العسكري”
تؤكد التقارير أن روسيا تعمد إلى اعتراض تدفقات الهجرة وتحويلها من القطاع المدني مباشرة إلى ميادين الحرب. وبالنسبة لـ”مايكل” وزملائه، انتهت المغامرة بكارثة؛ فمن بين سبعة كينيين سافروا معه، توفي أحدهم، وفُقد آخر، في حين لم يحصل أي منهم على المبالغ المالية الموعودة.
وبعد رحلة طويلة من المعاناة تحت وطأة القصف ونيران الطائرات المسيرة، تمكن مايكل أخيراً من الفرار من الخدمة، وساعدته السفارة الكينية في العودة إلى موطنه، ليخرج بقناعة راسخة بأن آلاف الشباب الأفارقة لا يزالون يقعون في فخ الخداع الروسي، مدفوعين بالحاجة الماسة وبعيداً عن حقيقة جحيم الغابات الأوكرانية.
تضع هذه المعطيات المجتمع الدولي أمام تساؤلات جدية حول استغلال الدول الكبرى للأزمات الاقتصادية في دول الجنوب العالمي لتحويل مواطنيها إلى وقود لحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، في مأساة إنسانية تعيد تعريف مفهوم المرتزقة في القرن الحادي والعشرين.










