ما الهدف من كل هذا؟ من جهة، تحملت إيران ضربة عسكرية واقتصادية قاسية خلال الأشهر الماضية. ومن جهة أخرى، يبدو أنها تخرج من هذا النزاع وهي تعيد بناء قوتها بسرعة غير مسبوقة.
وبموجب شروط اتفاق “السلام” الجديد الذي أُعلن عنه مؤخراً، هل ستتلقى طهران قريباً دعماً بمليارات الدولارات من خلال تخفيف العقوبات، على يد الرئيس نفسه الذي أدان سابقاً باراك أوباما للقيام بخطوات مماثلة؟
قبل اندلاع هذه الحرب، كان الردع الأمريكي يبدو مرعباً؛ فقد استطاع دونالد ترامب الضغط على حماس لإبرام صفقة رهائن في غزة بقوة خطابه وحده. ولكن اليوم، بعد إعلان الاتفاق الأخير، يتساءل المراقبون: من سيأخذ واشنطن على محمل الجد بعد الآن؟ لقد قيل لنا إن “حضارة بأكملها ستفنى” إذا لم تخضع طهران، ولكن مع ترامب على رأس السلطة، يبدو أن الحضارة الغربية هي التي تجد نفسها في حالة انحدار استراتيجي.
أهداف ضائعة وعجز استراتيجي
في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حُشدت أقوى قوة عسكرية في التاريخ ضد نظام طهران. وبعد أكثر من أربعة أشهر من المواجهات، نجد أنفسنا بلا إجابات على الأسئلة الجوهرية: لا احتواء لوكلاء إيران، لا قيود حقيقية على صواريخها الباليستية، لا ضمانات ثابتة بشأن مضيق هرمز، وبالتأكيد لا تغيير للنظام الذي كان يوماً ما هدفاً معلناً.
هذا ليس مجرد إذلال دبلوماسي لواشنطن، بل هو وضع بالغ الخطورة، خاصة وأن القوى العظمى مثل الصين وروسيا تراقب هذا التراجع عن كثب. المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق ترامب. كانت هناك خطط استراتيجية – مثل إطلاق العنان للمقاتلين الأكراد في العراق – التي ربما كانت ستغير موازين القوى، ولكن وبحسب التقارير، ألغى الرئيس الصفقة تحت ضغوط خارجية غير مفهومة، تاركاً سلاحه الاستراتيجي مُعطّلاً في اللحظات الحاسمة.
ازدراء الحلفاء وتجاهل الخبراء
تجاهل ترامب نصائح مستشاريه العسكريين وأدار الحرب بناءً على حدسه الشخصي، متجاهلاً أبجديات “ألعاب الحرب” التي استقرت لقرون. لقد تمنى “الأفضل” دون خطة محكمة، فنال “الأسوأ”. ولم يكتفِ الرئيس بازدراء مستشاريه، بل أهان حلفاءه أيضاً. فأوروبا ظلت خارج إطار هذه الخطة تماماً، ودول الخليج تجد نفسها في حالة تشرذم، بينما مُنحت قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان نفوذاً لا يتناسب مع طبيعة تحالفاتها. لم تكن هذه قيادة، بل كانت عجزاً تاماً عن فهم التعقيدات الإقليمية.
والأسوأ من ذلك كله هو الخيانة التي تعرض لها أولئك الذين راهنوا على التغيير. ففي يناير الماضي، غرد ترامب قائلاً: “أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج… المساعدة قادمة”. اليوم، يعلن الرئيس بكل بساطة أنه “لم يهتم يوماً بتغيير النظام”. أي خذلان أكبر من ذلك لأولئك الذين ضحوا بحياتهم استجابةً لدعواته؟
إسرائيل في مهب الريح
إلى جانب الشعب الإيراني، تعتبر إسرائيل الطرف الأكثر تضرراً من هذا التخبط. لقد نجح النظام الإيراني ببراعة في تعميق الهوة بين واشنطن والقدس، مستغلاً الرواية الخبيثة التي تزعم أن نتنياهو دفع ترامب لهذه الحرب. وفي اللحظات الأكثر حساسية، استُفزت إسرائيل لترد عسكرياً، فما كان من ترامب إلا أن وصف نتنياهو بـ “صعب المراس” و”فاقد للحكمة”.
بين ليلة وضحاها، يجد الحلفاء أنفسهم أمام واقع مرير. وكما حذر هنري كيسنجر ذات يوم: “قد يكون كونك عدواً لأمريكا أمراً خطيراً، لكن أن تكون صديقاً لها فهو أمرٌ كارثي”. إن التداعيات طويلة الأمد لهذا الاتفاق ستظل تلاحق السياسة الخارجية الأمريكية لسنوات، حيث تظهر واشنطن اليوم كقوة تفقد بوصلتها، وتتخلى عن حلفائها في لحظات الحسم مقابل اتفاقات هشة قد لا تصمد أمام اختبار الزمن.










