الرئيس الفرنسي يكشف عن تحرك أوروبي واسع لتأمين أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، مؤكداً أن باريس ولندن مستعدتان لقيادة مهمة دولية في مضيق هرمز فور توقيع الاتفاق بين واشنطن وطهران، وسط سباق محموم لإعادة الاستقرار إلى أسواق النفط العالمية.
باريس – المنشر الإخباري
في تطور جديد يعكس حجم التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا وبريطانيا تستعدان لقيادة مهمة بحرية دولية في مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، وذلك بعد التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يهدف إلى إنهاء أشهر من المواجهات والتوترات التي هددت أمن الملاحة العالمية وإمدادات الطاقة الدولية.
تصريحات ماكرون جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث تترقب الأسواق العالمية التوقيع الرسمي على الاتفاق الأمريكي الإيراني خلال الأيام المقبلة، بينما تسعى القوى الغربية إلى ضمان عدم عودة التوترات العسكرية التي أدت إلى تعطيل حركة الملاحة وارتفاع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية.
وقال الرئيس الفرنسي إن باريس ولندن مستعدتان لتولي قيادة مهمة دولية واسعة النطاق في مضيق هرمز، موضحاً أن عدة دول أوروبية أبدت استعدادها للمشاركة في هذه العملية، من بينها إيطاليا وهولندا ودول أخرى ترى أن أمن المضيق يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لها وللاقتصاد العالمي بأكمله.
وكشف ماكرون أن فرنسا قد تدفع بحاملة طائراتها إلى المنطقة خلال فترة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام فقط بعد توقيع الاتفاق رسمياً، في خطوة تعكس جدية الاستعدادات الأوروبية لتأمين الممر البحري الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية.
ويعد مضيق هرمز شريان الطاقة الأهم في العالم، إذ تعبر من خلاله نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال. وخلال الأشهر الماضية، تحول المضيق إلى بؤرة توتر دولية بعد تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ما دفع العديد من شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تقييم عملياتها ورفع تكاليف النقل البحري بصورة غير مسبوقة.
وشدد ماكرون على أن إعادة فتح المضيق يجب أن تتم دون فرض أي رسوم عبور أو قيود إضافية على حركة السفن التجارية، مؤكداً أن حرية الملاحة تمثل مبدأ أساسياً لا يمكن التراجع عنه. وأضاف أن المجتمع الدولي سيبذل كل ما في وسعه لضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة عبر هذا الممر الاستراتيجي.
وفي إشارة لافتة، أوضح الرئيس الفرنسي أن سلطنة عمان لا تعارض فكرة وجود مهمة دولية في المضيق، وهو ما يفتح الباب أمام تعاون إقليمي ودولي أوسع لتأمين المنطقة وإزالة المخاوف المرتبطة بسلامة الملاحة البحرية.
ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالإعلان عن الاتفاق الأمريكي الإيراني، حذر ماكرون من أن عودة الأسواق إلى وضعها الطبيعي لن تحدث بين ليلة وضحاها. وأكد أن التأثير الفعلي للاتفاق على أسعار النفط وأسواق الطاقة العالمية قد يحتاج إلى عدة أسابيع قبل أن يصبح ملموساً، خاصة في ظل التحديات اللوجستية المرتبطة بإعادة تشغيل خطوط الشحن وتأمين الممرات البحرية.
وتأتي هذه التصريحات بينما تستمر عمليات تقييم الأضرار التي خلفتها الأزمة في قطاع النقل البحري. وتشير تقديرات خبراء الأمن البحري إلى أن إزالة أي تهديدات محتملة للملاحة، بما في ذلك الألغام البحرية أو المخاطر الأمنية الأخرى، قد تتطلب جهوداً مكثفة تشارك فيها قوات بحرية من عدة دول.
كما كشف الرئيس الفرنسي أن بلاده ستناقش خلال اجتماعات مجموعة السبع مع دول الخليج العربية سبل تطوير مسارات بديلة لنقل الطاقة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز مستقبلاً. ويعكس هذا التوجه قلقاً متزايداً لدى الدول الصناعية الكبرى من تكرار الأزمات التي قد تؤدي إلى شلل في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وفي جانب آخر من تصريحاته، شدد ماكرون على ضرورة عدم الاكتفاء بالاتفاق الحالي، مؤكداً أن برنامج إيران للصواريخ الباليستية يجب أن يكون جزءاً من أي حوار أو مفاوضات مستقبلية مع طهران. ويرى مسؤولون غربيون أن معالجة الملفات الأمنية الأخرى ستظل ضرورية لضمان استقرار دائم في المنطقة وعدم العودة إلى دوامة التصعيد العسكري.
ويأتي الموقف الفرنسي بعد ساعات من تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد فيها أن مضيق هرمز سيعاد فتحه أمام حركة الملاحة فور توقيع اتفاق السلام مع إيران. كما أشار ترامب إلى أن الاتفاق سيسمح باستئناف تدفق النفط من جديد إلى الأسواق العالمية بعد إزالة العوائق الأمنية التي فرضتها الحرب.
ويرى محللون أن التحرك الأوروبي الجديد يكشف عن رغبة واضحة لدى باريس ولندن في لعب دور أكبر في ترتيبات الأمن الإقليمي بعد الاتفاق، خاصة أن أمن مضيق هرمز لا يقتصر تأثيره على دول المنطقة فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
ومع اقتراب موعد توقيع الاتفاق، تتجه أنظار العالم نحو الخليج العربي لمعرفة ما إذا كانت هذه الخطوات ستفتح فعلاً صفحة جديدة من الاستقرار، أم أن التحديات الأمنية والسياسية المتراكمة ستظل قادرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية وأكثرها حساسية في العالم.










