بين النووي والعقوبات والسيادة البحرية.. 3 ملفات شائكة تهدد بانفجار التفاهم الهش رغم احتفالات إنهاء الحرب وعودة الملاحة العالمية
جنيف – المنشر_الاخباري
تنفس العالم الصعداء مع الإعلان عن اتفاق أميركي–إيراني أنهى أشهرًا من التصعيد العسكري، وفتح الباب أمام إعادة تشغيل أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم: مضيق هرمز. لكن هذا الارتياح الدولي سرعان ما اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، إذ يرى مراقبون أن الاتفاق لا يتجاوز كونه “هدنة مؤقتة” أكثر منه تسوية نهائية، وأنه يقوم على أرضية هشة قد تنفجر في أي لحظة.
فالاتفاق، الذي يُفترض أن يُوقّع رسميًا في جنيف يوم 19 يونيو، لا يُنهي جذور الصراع بقدر ما يُجمّدها. خلف الأبواب المغلقة، تتراكم ثلاثة ملفات توصف بأنها “ألغام سياسية واستراتيجية”، كل واحد منها قادر على تفجير الاتفاق وإعادة المنطقة إلى نقطة الصفر: الملف النووي، ومضيق هرمز، والعقوبات الاقتصادية.
أولاً: الملف النووي.. قلب الأزمة الذي لم يُحسم
يبقى البرنامج النووي الإيراني محور التوتر الأخطر في أي تفاهم مع واشنطن. ورغم إعلان الطرفين التوصل إلى تفاهم مبدئي يقضي بعدم امتلاك إيران لسلاح نووي، فإن التفاصيل لا تزال ضبابية إلى حد كبير.
تقول الرواية الإيرانية إن طهران ستجمّد التخصيب الإضافي وتسمح برقابة محدودة، بينما تؤكد واشنطن أن أي اتفاق نهائي سيشمل نظام تفتيش صارم وآليات تحقق دقيقة، دون تقديم تفاصيل واضحة حول طبيعة هذا النظام أو حدود صلاحياته.
الأكثر حساسية هو مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. فبينما تتحدث طهران عن “ترحيله إلى دولة ثالثة” مثل روسيا أو الصين، تستخدم واشنطن مصطلح “التسليم”، ما يعكس فجوة عميقة في الفهم السياسي والقانوني للاتفاق.
كما أن الداخل الأميركي لا يبدو موحدًا، إذ يطالب مشرعون بضرورة عرض أي اتفاق على الكونغرس، بينما تصر إيران على أن برنامجها النووي “حق سيادي غير قابل للتنازل”، ما يجعل الملف مفتوحًا على احتمالات التصعيد مجددًا في أي لحظة.
ثانياً: مضيق هرمز.. هدنة بحرية فوق حقل ألغام
رغم الإعلان عن إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، إلا أن هذا الممر الحيوي لا يزال واحدًا من أكثر النقاط حساسية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.
الاتفاق الحالي ينص على إزالة الألغام واستئناف الملاحة، لكن الخبراء يحذرون من أن الواقع الميداني قد يكون أكثر تعقيدًا. فعملية إزالة الألغام قد تستغرق ما بين 40 إلى 50 يومًا على الأقل، وفق تقديرات أمنية غربية، وقد تمتد لأشهر إذا ثبت وجود حقول ألغام واسعة.
الأخطر أن سلوك الأسواق والشركات لن يعود سريعًا إلى طبيعته. فشركات الشحن والتأمين بدأت بالفعل في تغيير مساراتها خلال فترة الحرب، عبر استخدام موانئ بديلة مثل الفجيرة في الإمارات وينبع في السعودية، وهو ما قد يحد من أهمية هرمز حتى بعد إعادة فتحه.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن تدفق النفط عبر المضيق لن يعود إلى مستوياته السابقة (20 مليون برميل يوميًا) قريبًا، بل قد يستقر عند حدود أقل بكثير نتيجة استمرار المخاوف الأمنية.
كما يظل الجدل قائمًا حول طبيعة السيطرة على المضيق، في ظل حديث عن فرض “رسوم خدمات بحرية” أو ترتيبات سيادية مشتركة، وهو ما يفتح الباب أمام صراع جديد حول من يملك القرار الفعلي في هذا الشريان الحيوي.
ثالثاً: العقوبات.. المعركة الاقتصادية المؤجلة
إذا كان الملف النووي هو قلب الأزمة، فإن العقوبات هي روحها الاقتصادية. فالاتفاق الحالي يتضمن وعودًا بتخفيف تدريجي للعقوبات الأميركية، مقابل التزامات إيرانية أمنية ونووية، لكن دون جدول زمني واضح أو آلية تنفيذ نهائية.
طهران تطالب برفع شامل وسريع للعقوبات، بما في ذلك الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة في الخارج، معتبرة أن هذه الأموال ضرورية لإنعاش اقتصادها المنهك بعد سنوات من الحصار.
في المقابل، تفضل واشنطن نهجًا تدريجيًا مشروطًا، يربط كل خطوة اقتصادية بتقدم ملموس في البرنامج النووي والسلوك الإقليمي الإيراني.
وتشير تسريبات إلى أن بعض التفاهمات تتحدث عن الإفراج عن نحو 25 مليار دولار من الأصول المجمدة، إلى جانب خطط لإعادة الإعمار، لكن هذه الطروحات لا تزال محل جدل داخلي في الولايات المتحدة، حيث يرفض صقور السياسة الخارجية تقديم تنازلات مالية واسعة دون ضمانات صارمة.
لبنان.. الساحة الموازية للاشتعال
بعيدًا عن الملفات الثلاثة الأساسية، يبرز لبنان كساحة اختبار غير مباشر للاتفاق. إذ تربط بعض البنود غير المعلنة وقف التصعيد في المنطقة، بما في ذلك الجبهة اللبنانية، ما يعني أن أي خرق ميداني هناك قد يُفشل الاتفاق برمته.
اتفاق على حافة الهاوية
رغم الأجواء الاحتفالية التي رافقت الإعلان عن التفاهم، إلا أن الصورة العامة توحي بأن المنطقة دخلت مرحلة “سلام مشروط” أكثر من كونها نهاية حرب.
فالاتفاق الحالي لا يزيل أسباب الصراع، بل يؤجل انفجارها، ويضعها داخل ثلاث قنابل موقوتة: النووي، هرمز، والعقوبات.
وبينما يستعد العالم لتوقيع الوثيقة في جنيف، تبقى الأسئلة الأكبر بلا إجابة: هل هو بداية استقرار حقيقي في الشرق الأوسط؟ أم مجرد هدنة قصيرة قبل جولة جديدة من المواجهة؟










