لندن – المنشر الاخبارى
بعد مرور نحو عشر سنوات على استفتاء خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، يعود ملف “البريكست” إلى صدارة النقاش السياسي والاقتصادي في بريطانيا، وسط تصاعد تساؤلات حادة حول ما إذا كان القرار التاريخي قد شكّل خطوة نحو استعادة السيادة، أم أنه تحوّل إلى أحد أكثر الرهانات السياسية كلفة في تاريخ البلاد الحديث.
فبينما رُوّج للبريكست عام 2016 باعتباره بوابة لاستعادة السيطرة على القرار الوطني، والتحرر من القيود الأوروبية، وتحقيق نمو اقتصادي أكبر، تشير تحليلات ودراسات حديثة إلى صورة مغايرة تمامًا، عنوانها الأبرز: اقتصاد أبطأ، استثمارات أقل، وعزلة تجارية متزايدة عن الشريك الأوروبي الأكبر.
وعود السيادة.. وواقع النمو المتعثر
في السنوات الأولى بعد الخروج، تمسّك مؤيدو البريكست بفكرة أن بريطانيا استعادت “سيادتها القانونية” وقدرتها على سنّ القوانين بعيدًا عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي. غير أن هذا المكسب السياسي، وفق خبراء اقتصاد، جاء على حساب ديناميكية الاقتصاد البريطاني نفسه.
فبدلًا من الانطلاق نحو نمو أسرع كما وُعد البريطانيون، واجه الاقتصاد سلسلة من التحديات المرتبطة بتراجع التجارة مع أوروبا، وتعقيد الإجراءات الجمركية، وتباطؤ تدفق الاستثمارات الأجنبية، وهي عوامل تشير تقارير متعددة إلى أنها أثّرت بشكل مباشر على القدرة التنافسية للمملكة المتحدة.
ويذهب بعض الاقتصاديين إلى أن جزءًا كبيرًا من تباطؤ النمو لم يكن نتيجة الخروج وحده، بل أيضًا لسياسات داخلية متراكمة تتعلق بالبنية التحتية، والتدريب المهني، ودعم الابتكار، ما جعل تأثير البريكست أكثر حدة في بيئة اقتصادية غير مهيأة.
مؤشرات الاقتصاد.. جنيه أضعف ونمو أقل
الأرقام بدورها تعكس تحولًا لافتًا. فالجنيه الإسترليني الذي كان يقترب من 1.50 دولار قبل الاستفتاء، تراجع ليستقر في نطاق أقل بكثير خلال السنوات اللاحقة، في مؤشر على اهتزاز الثقة بالاقتصاد البريطاني بعد الخروج من التكتل الأوروبي.
أما على مستوى النمو، فتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في بريطانيا أصبح أقل بنسبة تتراوح بين 6% و8% مقارنة بسيناريو البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، وهو فارق يُترجم عمليًا إلى خسارة تراكمية في الدخل والإنتاجية.
كما تكشف البيانات عن تراجع ملحوظ في الاستثمارات الخاصة، إذ تشير بعض النماذج إلى انخفاض قد يصل إلى نحو 18% مقارنة بما كان متوقعًا قبل الاستفتاء، إضافة إلى تراجع في الإنتاجية ومستويات التوظيف، في ظل بيئة أعمال أكثر تعقيدًا وغموضًا.
التجارة مع أوروبا.. الشريك الذي لم يُستبدل
ورغم محاولات لندن تنويع شركائها التجاريين، لا يزال الاتحاد الأوروبي يحتفظ بموقعه باعتباره الشريك الأكبر لبريطانيا، سواء في الصادرات أو الواردات.
لكن ما تغيّر فعليًا هو طبيعة العلاقة التجارية نفسها. فقد أصبحت الصادرات البريطانية إلى أوروبا تواجه إجراءات حدودية وبيروقراطية أكثر تعقيدًا، ما انعكس على سرعة تدفق السلع، خصوصًا في القطاعات الصناعية والغذائية.
وتشير تقديرات إلى أن حصة كبيرة من التجارة البريطانية لا تزال مرتبطة بالاتحاد الأوروبي، ما يعزز فرضية أن “الانفصال الكامل” عن أوروبا اقتصاديًا لم يتحقق بالشكل الذي روج له مؤيدو البريكست.
رأي الخبراء.. هل كان الخطأ حتميًا؟
تتباين الآراء داخل بريطانيا اليوم بين من يرى أن البريكست كان “تصحيحًا تاريخيًا” لاستعادة القرار السيادي، وبين من يعتبره قرارًا سياسيًا تم اتخاذه في لحظة عاطفية أكثر منه حسابات اقتصادية دقيقة.
عدد من المسؤولين السابقين الذين شاركوا في إدارة ملف الخروج باتوا اليوم أكثر انتقادًا للتجربة، بل إن بعضهم يدعو إلى إعادة فتح النقاش حول شكل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وصولًا إلى احتمال العودة الكاملة مستقبلًا.
وفي المقابل، يرى آخرون أن المشكلة لم تكن في الخروج ذاته، بل في طريقة إدارة ما بعد البريكست، معتبرين أن بريطانيا كان يمكن أن تحقق مكاسب أكبر لو تمت إدارة المرحلة الانتقالية بشكل أكثر كفاءة.
استطلاعات الرأي.. مزاج عام يتغير
على المستوى الشعبي، تشير استطلاعات حديثة إلى تغير تدريجي في المزاج العام البريطاني، إذ باتت نسبة معتبرة من المواطنين ترى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لم يكن قرارًا صائبًا.
كما تتزايد الدعوات داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية إلى “إعادة التقارب مع أوروبا”، سواء عبر اتفاقات أوسع أو حتى من خلال فتح الباب أمام العودة المستقبلية، وهو سيناريو كان يُعد شبه مستحيل قبل سنوات قليلة فقط.
بين الندم وإعادة التقييم
بعد عقد من الاستفتاء، يبدو أن بريطانيا تقف أمام مراجعة واسعة لتجربة البريكست. فبينما لم يؤدِ الخروج إلى الانهيار الذي حذّر منه معارضوه، فإنه في الوقت ذاته لم يحقق الوعود الكبرى التي رفعها مؤيدوه.
وبين هذين الحدّين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل كان البريكست قرارًا سياديًا جريئًا أعاد تشكيل هوية بريطانيا؟ أم خطأ استراتيجيًا دفع البلاد إلى عزلة اقتصادية نسبية لا تزال آثارها تتراكم حتى اليوم؟










