أديس أبابا- المنشر_الاخباري
في خطوة دبلوماسية لافتة تحمل أبعادًا إنسانية وقانونية في آن واحد، وقّعت نيجيريا وإثيوبيا اتفاقًا ثنائيًا في العاصمة أديس أبابا يقضي بنقل المحكوم عليهم بين البلدين، بحيث يتمكن السجناء من قضاء ما تبقى من عقوباتهم داخل أوطانهم، في تطور يعكس تحولًا مهمًا في مقاربة الدول الأفريقية لملف العدالة وإدارة السجون.
الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه بحضور وزيرة الخارجية النيجيرية بيانكا أودوميغوو-أوجوكوو ونظيرها الإثيوبي غيديون تيموثيوس، لا يُنظر إليه كإجراء إداري فحسب، بل كإشارة سياسية أوسع إلى رغبة البلدين في تخفيف ضغط متصاعد داخل منظومات الاحتجاز، ومعالجة واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية صمتًا في القارة: اكتظاظ السجون وتدهور أوضاعها.
اتفاق يتجاوز حدود “تبادل السجناء”
رغم أن الإطار الرسمي للاتفاق يقوم على نقل المحكوم عليهم بين الدولتين، فإن دلالاته تتجاوز ذلك بكثير. فبحسب بيان وزارة الخارجية النيجيرية، يتيح الاتفاق نقل السجناء الذين يستوفون الشروط القانونية إلى بلدانهم لإكمال العقوبة، في إطار احترام القوانين المحلية والالتزامات الدولية.
لكن الأهم من النص القانوني هو السياق الذي جاء فيه. فالاتفاق يعكس اعترافًا متبادلًا بأن أنظمة السجون في البلدين تواجه ضغطًا متزايدًا، وأن الحلول التقليدية لم تعد كافية للتعامل مع أعداد النزلاء وظروف الاحتجاز.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 100 مواطن نيجيري في السجون الإثيوبية قد يستفيدون من هذه الآلية، بينهم نساء، يقضون أحكامًا مرتبطة غالبًا بقضايا تتعلق بالمخدرات أو العبور عبر المطارات الدولية.
سجن “كاليتي”.. مرآة الأزمة
في إثيوبيا، يبرز اسم سجن “كاليتي” في أديس أبابا بوصفه أحد أبرز مراكز الاحتجاز التي تضم أجانب، بينهم نيجيريون. وتقول تقارير حقوقية إن السجن يعاني من اكتظاظ شديد ونقص في الرعاية الطبية، إضافة إلى ظروف معيشية صعبة تتعلق بالغذاء والنظافة والبيئة الصحية العامة.
وتذهب منظمات حقوقية أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن بعض المعتقلين تم توقيفهم في مطار بولي الدولي أثناء رحلات ترانزيت، بتهم تتعلق بالمخدرات، وسط ادعاءات بأن بعض الحالات لم تكن مبنية على علم كامل بحقيقة المواد المحمولة.
هذه الصورة تجعل الاتفاق الجديد بمثابة “صمام تنفيس” إنساني، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على فجوات أعمق في أنظمة العدالة الجنائية في المنطقة.
نيجيريا.. أزمة سجون تفوق القدرة الاستيعابية
على الجانب الآخر، لا تبدو نيجيريا في وضع أفضل. فبحسب تحقيقات مستقلة وتقارير حقوقية، تعاني السجون النيجيرية من اكتظاظ حاد يصل في بعض الحالات إلى أكثر من 500% من طاقتها الاستيعابية، في واحدة من أعلى النسب عالميًا.
الأزمة لا تتوقف عند الأعداد فقط، بل تمتد إلى بنية العدالة نفسها، حيث يشكل المحتجزون رهن المحاكمة أكثر من 70% من نزلاء السجون، ما يعني أن آلاف الأشخاص يقضون فترات طويلة داخل السجن دون صدور أحكام نهائية بحقهم.
هذا الواقع خلق ما وصفته بعض التقارير بـ“مخازن بشرية”، حيث تتكدس الأجساد داخل مساحات ضيقة، مع محدودية في الخدمات الأساسية، وتأخر في الإجراءات القضائية، وأحيانًا صعوبات في الوصول إلى المحامين أو المحاكم.
بعد إنساني ودبلوماسي متصاعد
الاتفاق الجديد لا يمكن قراءته فقط من زاوية قانونية، بل أيضًا من زاوية إنسانية ودبلوماسية. فوزيرة الخارجية النيجيرية وصفت الخطوة بأنها “إنجاز قائم على الإنسانية والعدالة والتعاون الدولي”، مؤكدة أن الهدف هو إعادة السجناء إلى بيئاتهم الاجتماعية والأسرية، حيث يمكن أن يقضوا ما تبقى من أحكامهم في ظروف أكثر استقرارًا.
كما يعكس الاتفاق تنامي دور “الدبلوماسية القضائية” في أفريقيا، حيث تتحول قضايا السجناء إلى ملفات تعاون ثنائي، بدل أن تبقى ملفات فردية أو قضائية بحتة.
ويرى مراقبون أن هذا النموذج قد يتوسع لاحقًا ليشمل دولًا أفريقية أخرى، خاصة في ظل ارتفاع أعداد السجناء الأجانب، وتزايد الانتقادات الموجهة لأنظمة العدالة في القارة.
بين الحل المؤقت والإصلاح العميق
رغم أهمية الاتفاق، إلا أن خبراء قانونيين يرون أنه يعالج جزءًا من المشكلة فقط، وليس جذورها. فإعادة السجناء إلى بلدانهم قد تخفف الضغط على بعض السجون، لكنها لا تعالج أسباب الأزمة الأساسية، سواء في بطء الإجراءات القضائية أو ضعف البنية التحتية أو نقص التمويل.
كما أن استمرار ارتفاع نسب الاحتجاز دون محاكمة في نيجيريا، مقابل ظروف الاحتجاز الصعبة في إثيوبيا، يشير إلى أن الملف يحتاج إلى إصلاحات أعمق في أنظمة العدالة نفسها، وليس فقط حلولًا تبادلية بين الدول.
خطوة صغيرة في ملف كبير
في المحصلة، يمثل الاتفاق بين نيجيريا وإثيوبيا خطوة مهمة على طريق التعاون القضائي في أفريقيا، ورسالة واضحة بأن ملف السجون لم يعد شأنًا داخليًا مغلقًا، بل قضية تتداخل فيها الإنسانية بالقانون والدبلوماسية.
لكن الأهم أن هذا الاتفاق، رغم رمزيته الكبيرة، يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تتحول هذه الخطوة إلى بداية إصلاح شامل لأنظمة العدالة والاحتجاز في القارة، أم تبقى مجرد حل إسعافي لأزمة تتفاقم بصمت منذ سنوات؟










