انقسام حاد في الداخل الإسرائيلي بين المعارضة واليمين المتطرف وسط اتهامات لرئيس الوزراء بإهدار مكاسب الحرب وتزايد الدعوات لإسقاط حكومته بعد التفاهم الأميركي الإيراني
تل أبيب- المنشر الإخباري
خيّمت أجواء من الصدمة والغضب على الأوساط السياسية والإعلامية في إسرائيل، عقب الإعلان عن تفاصيل الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تصاعد غير مسبوق في الانتقادات الموجهة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي وُصف من قبل خصومه بأنه “مهندس الفشل الاستراتيجي” في إدارة المواجهة الإقليمية الأخيرة.
وأثار الاتفاق موجة واسعة من الجدل داخل إسرائيل، إذ اعتبرت شخصيات سياسية وإعلامية أن ما جرى يمثل تحولًا استراتيجيًا خطيرًا يبدد ما تصفه الحكومة بإنجازات عسكرية تحققت خلال الأشهر الماضية، في حين تصاعدت الدعوات إلى تغيير الحكومة الحالية وفتح الطريق أمام قيادة سياسية جديدة.
المعارضة: “نتنياهو خسر الحرب السياسية”
في صفوف المعارضة، شن زعيم المعارضة يائير لابيد هجومًا حادًا على نتنياهو، معتبرًا أن إسرائيل “ربحت معارك عسكرية لكنها خسرت الحرب السياسية”، مضيفًا أن الحكومة الحالية فقدت القدرة على إدارة الأزمة أو فرض شروطها في الملفات الإقليمية الحساسة.
وأشار لابيد إلى أن أحداث السابع من أكتوبر كشفت، بحسب وصفه، “عجز الحكومة عن حماية المواطنين”، فيما أكد أن التطورات السياسية الأخيرة تثبت استمرار هذا العجز في إدارة الملفات الدولية، داعيًا إلى تشكيل حكومة جديدة.
كما انضم الوزير السابق غادي آيزنكوت إلى موجة الانتقادات، واصفًا صباح توقيع الاتفاق بأنه “يوم كئيب” لإسرائيل، معتبرًا أن الحكومة الحالية أدارت الصراع دون استراتيجية واضحة، ما أدى إلى فجوة كبيرة بين الخطاب السياسي والنتائج على الأرض.
اتهامات حادة: “مهندس الفشل الاستراتيجي”
في سياق أكثر حدة، ذهب بعض السياسيين، من بينهم يائير غولان، إلى تحميل نتنياهو المسؤولية المباشرة عن ما وصفوه بـ“أكبر فشل استراتيجي في تاريخ إسرائيل”، متهمين إياه بإدارة ملف الحرب والسياسة الخارجية بطريقة أضرت بالمصالح الإسرائيلية.
ووفق هذه الانتقادات، فإن الإنجازات العسكرية التي تحققت خلال العمليات الأخيرة “تم تبديدها سياسيًا”، بعد دخول الاتفاق الأميركي الإيراني حيّز النقاش، وما ترتب عليه من تغييرات في ميزان القوى الإقليمي.
اليمين المتطرف: رفض للاتفاق وتصعيد في الخطاب
في المقابل، لم يقتصر الجدل على المعارضة، إذ أعلن اليمين المتطرف داخل الحكومة رفضه القاطع للاتفاق، حيث قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن الاتفاق “لا يلزم إسرائيل”، مؤكدًا أن تل أبيب دولة مستقلة ولا يمكنها الخضوع لأي تفاهمات دولية تمس أمنها القومي.
وطالب بن غفير باتخاذ “قرارات تاريخية”، محذرًا من أي تراجع في الأهداف العسكرية تجاه حزب الله في لبنان، ومشدّدًا على ضرورة الرد المباشر على أي هجمات تنطلق من الأراضي اللبنانية، بما في ذلك استهداف مواقع في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفق تعبيره.
أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فوصف الاتفاق بأنه “تطور خطير لإسرائيل وللعالم الحر”، داعيًا إلى مواصلة العمل ضد إيران لمنعها من امتلاك أي قدرات نووية، لكنه في الوقت ذاته دافع عن نتنياهو، معتبرًا أن أي زعيم آخر كان سيواجه نفس الضغوط وربما ينهار تحتها.
هجوم إعلامي واسع: “هزيمة سياسية ثقيلة”
الانتقادات امتدت أيضًا إلى الإعلام الإسرائيلي، حيث طغت لغة الإحباط والسخرية على تحليلات الصحف والمعلقين السياسيين، الذين رأوا أن الاتفاق يشكل تحولًا كبيرًا في المشهد الإقليمي على حساب إسرائيل.
وكتب الصحفي بن كاسبيت أن ما حدث يمثل “هزيمة سياسية ثقيلة”، معتبرًا أن الحكومة ستجد صعوبة في تحميل مسؤولية التطورات لأي طرف داخلي هذه المرة، في إشارة إلى أن الاتفاق جاء نتيجة تفاهمات مباشرة بين واشنطن وطهران.
فيما رأى الكاتب عاموس هاريل أن محاولة نتنياهو إظهار استقلاله السياسي عن الولايات المتحدة ساهمت في تعزيز موقع إيران التفاوضي، وأدت إلى تثبيت معادلات جديدة في المنطقة.
أما الصحفي يوسي ميلمان، فذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن الحرب الأخيرة كانت “غير ضرورية”، وأنها أدت إلى نتائج عكسية، من بينها تعزيز قدرات الخصوم الإقليميين بدل إضعافهم، على حد تعبيره.
استمرار الجدل حول “الإنجاز والهزيمة”
بينما يرى أنصار الحكومة أن إسرائيل واجهت ضغوطًا غير مسبوقة في بيئة إقليمية معقدة، تؤكد المعارضة أن ما جرى يمثل فشلًا سياسيًا واضحًا في تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب دبلوماسية.
ويعتقد محللون أن هذا الانقسام الداخلي قد يتعمق خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا دخل الاتفاق الأميركي الإيراني حيّز التنفيذ، وما قد يترتب عليه من تغييرات في ميزان القوى في الشرق الأوسط.
كاتس: البقاء العسكري مستمر في المنطقة
في خضم هذا الجدل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية ستبقى منتشرة في لبنان وسوريا وقطاع غزة “إلى أجل غير مسمى”، معتبرًا أن هذا الانتشار يمثل أحد أهم إنجازات الجيش الإسرائيلي في المرحلة الحالية.
وأكد كاتس أن إسرائيل لن تتراجع عن مواقعها الأمنية رغم الضغوط الدولية، ما يشير إلى استمرار حالة التوتر الإقليمي، حتى في ظل الحديث عن اتفاقات تهدئة أوسع.
مشهد سياسي مفتوح على كل الاحتمالات
مع تصاعد الانقسام السياسي والإعلامي داخل إسرائيل، يبدو أن تداعيات الاتفاق الأميركي الإيراني تتجاوز حدود السياسة الخارجية لتصل إلى عمق المشهد الداخلي الإسرائيلي، حيث تتزايد الضغوط على الحكومة، وتتصاعد الدعوات لإعادة تشكيل القيادة السياسية.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمثل الاتفاق بداية إعادة رسم توازنات المنطقة على حساب إسرائيل، أم أنه مجرد محطة مؤقتة في صراع طويل لم تُحسم ملامحه بعد؟










