واشنطن تربط استخدام الأصول الإيرانية بشراء الغذاء والدواء من السوق الأميركية وسط جدل حول العقوبات والمساعدات الإنسانية
واشنطن- المنشر الإخباري
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن أي أموال إيرانية يتم الإفراج عنها ضمن ترتيبات تخفيف العقوبات أو عبر قرارات صادرة عن وزارة الخزانة الأميركية، ستخضع لآلية رقابة وإدارة مباشرة من جانب الولايات المتحدة، عبر حساب ضمان خاص تديره واشنطن، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بشأن مستقبل الأصول الإيرانية المجمدة وآليات استخدامها.
وقال ترامب، في منشور عبر منصته “تروث سوشال”، إن هذه الأموال لن تُحول مباشرة إلى الحكومة الإيرانية، بل سيتم إيداعها في حساب ضمان تديره الولايات المتحدة، على أن تُستخدم حصراً في شراء المواد الغذائية والمستلزمات الطبية، مع إلزام طهران بالشراء من السوق الأميركية فقط.
وأوضح أن قائمة المشتريات ستشمل منتجات زراعية أميركية رئيسية مثل الذرة والقمح وفول الصويا، مشيراً إلى أن الهدف من هذه الخطوة هو توجيه الأموال نحو “الاستخدام الإنساني المباشر”، بحسب وصفه، بما يضمن تلبية احتياجات الإيرانيين الأساسية في مجالي الغذاء والدواء.
وأضاف ترامب أن الوضع الإنساني في إيران يستدعي التحرك السريع، مؤكداً أن الإدارة الأميركية ترى ضرورة تقديم المساعدة “قبل فوات الأوان”، في إشارة إلى ما يعتبره تحديات اقتصادية داخلية تواجهها طهران نتيجة العقوبات الدولية وتراجع قيمة العملة المحلية.
ويأتي هذا الإعلان في سياق سياسي واقتصادي معقد يشهده الملف الإيراني الأميركي، حيث تتزامن هذه التصريحات مع استمرار محادثات غير مباشرة بين الجانبين حول مستقبل العقوبات والبرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى ملفات إقليمية أخرى تتعلق بالأمن في الشرق الأوسط.
وتنص التفاهمات الأولية التي جرى التوصل إليها بين واشنطن وطهران، بحسب مصادر دبلوماسية، على تخفيف تدريجي لبعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، مقابل التزامات محددة تتعلق بتهدئة التوترات الإقليمية والعودة إلى طاولة المفاوضات حول الملفات العالقة.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية مؤخراً تمديد إعفاءات مؤقتة تتعلق بإنتاج وبيع ونقل النفط الإيراني حتى 21 أغسطس المقبل، وهو ما اعتُبر إشارة إلى استمرار قنوات التواصل غير المباشر بين الطرفين، رغم التباينات السياسية العميقة.
ويرى مراقبون أن آلية “حساب الضمان” التي أعلن عنها ترامب تمثل تحولاً لافتاً في طريقة إدارة الأموال الإيرانية المجمدة، إذ تنتقل من مجرد رفع جزئي للعقوبات أو الإفراج عن أصول مالية، إلى وضع قيود مباشرة على كيفية إنفاقها، بما يشبه الوصاية الاقتصادية المشروطة.
ويضيف هؤلاء أن هذه السياسة قد تهدف إلى تحقيق أكثر من هدف في آن واحد، من بينها الضغط السياسي على الحكومة الإيرانية، وتوجيه جزء من الأموال نحو الاقتصاد الأميركي، خاصة القطاع الزراعي، الذي أشار إليه ترامب بشكل مباشر في تصريحاته.
في المقابل، لم يصدر رد رسمي تفصيلي من الحكومة الإيرانية حول الآلية الجديدة، إلا أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أشار في تصريحات سابقة إلى أن طهران ستحدد وارداتها بناء على اعتبارات تتعلق بالسعر والجودة والمصلحة الوطنية، ما يعكس رفضاً ضمنياً لأي قيود خارجية على قراراتها الاقتصادية.
كما يرى محللون أن ربط استخدام الأموال الإيرانية بشراء سلع من السوق الأميركية قد يثير إشكالات قانونية وسيادية، خاصة فيما يتعلق بحق الدول في إدارة أصولها المالية، حتى في ظل العقوبات أو الاتفاقات الدولية.
ويأتي هذا التطور في وقت حساس تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وطهران محاولات متقطعة لاحتواء التوتر، وسط ملفات إقليمية متفجرة تشمل أمن الخليج، والبرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإيراني في عدد من دول الشرق الأوسط.
كما أن التذبذب في السياسات الأميركية تجاه إيران بين الضغوط القصوى والانفتاح المشروط يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد، ويجعل مستقبل الاتفاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين غير واضح المعالم.
وفي الوقت نفسه، يترقب المجتمع الدولي مدى قدرة هذه الآلية الجديدة على تحقيق التوازن بين الأهداف الإنسانية المعلنة من جهة، وبين الاعتبارات السياسية والاستراتيجية التي تحكم العلاقات بين واشنطن وطهران من جهة أخرى.
وبينما تؤكد واشنطن أن الخطوة تهدف إلى ضمان استخدام الأموال في أغراض إنسانية بحتة، ترى طهران أن مثل هذه الإجراءات تمثل استمراراً لسياسات الضغط الاقتصادي، وإن تغيرت أدواتها وأشكالها.
وفي ظل هذا التباين، يبقى الملف الإيراني أحد أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الدولية، مع استمرار الجدل حول العقوبات، والأموال المجمدة، ومستقبل الاتفاق النووي، ودور الولايات المتحدة في رسم قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية في المنطقة.










