رغم التفاهمات الأميركية الإيرانية الأخيرة، خبراء يؤكدون أن تفكيك منظومة العقوبات الممتدة منذ 1979 قد يستغرق سنوات وسط تضارب القوانين والضغوط السياسية ومخاوف الأسواق
واشنطن- المنشر الاخبارى
تشير التطورات الأخيرة في الملف الإيراني إلى أن مسار رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران لا يزال بعيدًا عن التحول إلى واقع مستقر، رغم الإعلان عن إعفاءات مؤقتة واتفاقات سياسية مبدئية بين واشنطن وطهران.
وبحسب تقرير لوكالة “رويترز”، فإن النظام العقابي المفروض على إيران منذ أكثر من أربعة عقود بات واحدًا من أكثر الأنظمة تعقيدًا وتشابكًا في العالم، إذ لا يعتمد فقط على أوامر تنفيذية أميركية، بل يتداخل مع تشريعات الكونغرس الأميركي، والعقوبات الأوروبية، وقرارات الأمم المتحدة، إضافة إلى شبكات امتثال مصرفي عالمي معقدة.
نظام عقوبات متعدد الطبقات
بدأت أولى العقوبات الأميركية على إيران عقب أزمة الرهائن في السفارة الأميركية بطهران عام 1979، ومنذ ذلك الوقت تطور النظام ليشمل أكثر من ستة قوانين رئيسية صادرة عن الكونغرس، إلى جانب عشرات الأوامر التنفيذية الرئاسية.
ومع مرور الوقت، توسع نطاق العقوبات ليشمل البرنامج النووي الإيراني، ودعم جماعات مسلحة تصنفها واشنطن “إرهابية”، مثل حزب الله وحماس والحوثيين، إضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان، والتدخلات الإقليمية.
كما فرض الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بدورهما قيودًا إضافية على طهران، ما جعل النظام العقابي متعدد الأطراف وغير قابل للفك بقرار واحد أو سريع.
اتفاق مؤقت لا يعني رفعًا دائمًا
التفاهم الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، والذي تضمن إعفاءات محددة تمتد لستين يومًا، أعاد فتح النقاش حول إمكانية تخفيف العقوبات بشكل تدريجي.
لكن خبراء قانونيين واقتصاديين يرون أن هذا الإعفاء لا يمثل تحولًا استراتيجيًا، بل خطوة تكتيكية ضمن مسار تفاوضي طويل، حيث يبقى الهدف النهائي مرهونًا باتفاق شامل يصادق عليه الكونغرس الأميركي ويأخذ في الاعتبار المواقف الدولية.
وتشير الوثائق إلى أن الاتفاق يتضمن جدولًا زمنيًا محتملًا لرفع تدريجي للعقوبات، إلا أن تنفيذه الفعلي مرتبط بمدى التزام إيران ببنود سياسية وأمنية واقتصادية معقدة.
تعقيدات قانونية داخل الولايات المتحدة
إحدى أكبر العقبات أمام رفع العقوبات تتمثل في البنية القانونية الأميركية نفسها، إذ إن جزءًا كبيرًا من القيود المفروضة على إيران منصوص عليه في قوانين أقرها الكونغرس، ما يعني أن إلغاءها لا يمكن أن يتم عبر قرار رئاسي فقط.
كما أن بعض العقوبات تستهدف كيانات مرتبطة بجماعات مثل حزب الله وحماس، وهي تصنيفات أمنية يصعب تعديلها دون توافق سياسي داخلي واسع.
ويؤكد خبراء أن أي محاولة لفك هذه الشبكة القانونية ستتطلب مراجعة آلاف القرارات والكيانات المدرجة على قوائم العقوبات، وهو ما قد يستغرق سنوات من العمل الإداري والقانوني.
الاقتصاد بين الانفتاح والحذر
اقتصاديًا، تشير التقديرات إلى أن الإعفاءات الحالية قد توفر لإيران عائدات تصل إلى 3 مليارات دولار خلال شهرين، عبر السماح بتصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية بشكل محدود.
لكن هذه الأرقام قد ترتفع بشكل كبير إذا تم تحويل الإعفاءات إلى سياسة دائمة، إذ قد تصل الإيرادات إلى عشرات المليارات سنويًا في حال رفع القيود عن أسعار البيع والأسواق المستهدفة.
ورغم ذلك، لا تزال الشركات العالمية مترددة في العودة إلى السوق الإيرانية، بسبب ما يعرف بـ”مخاطر الامتثال”، أي الخوف من التعرض لعقوبات لاحقة في حال تغيّر السياسة الأميركية مجددًا.
دور البنوك والمؤسسات المالية
تعد المؤسسات المالية العالمية من أكثر الجهات تحفظًا تجاه التعامل مع إيران، إذ تخضع البنوك لنظام تدقيق صارم يتطلب التأكد من عدم وجود أي تعامل مع كيانات مدرجة على قوائم العقوبات.
كما أن إعادة دمج إيران في النظام المالي العالمي تتطلب موافقة مؤسسات متعددة، منها وزارة الخزانة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، إلى جانب آليات الامتثال الداخلية للبنوك.
ويحذر خبراء من أن أي خطأ في هذا الملف قد يعرض المؤسسات المالية لغرامات ضخمة، كما حدث في حالات سابقة مع بنوك كبرى تعاملت بشكل غير مباشر مع أطراف إيرانية.
البعد السياسي والكونغرس
سياسيًا، يظل الكونغرس الأميركي لاعبًا أساسيًا في مسار العقوبات، حيث توجد معارضة واضحة من عدد من المشرعين لأي تخفيف واسع النطاق دون ضمانات صارمة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وسلوكها الإقليمي.
وتشير تقارير إلى أن أي اتفاق نهائي سيحتاج إلى توافق سياسي داخلي، وهو أمر غير مضمون في ظل الانقسام الحاد داخل واشنطن بشأن السياسة تجاه إيران.
موقف طهران
من جانبها، تؤكد إيران أن العقوبات تمثل “حربًا اقتصادية” تهدف إلى إضعاف الدولة، وتصر على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن رفعًا كاملًا وليس جزئيًا للعقوبات.
كما تربط طهران ملفها الاقتصادي بملفات الأمن الإقليمي، معتبرة أن أي تقدم في التفاهمات يجب أن يشمل أيضًا قضايا مثل العقوبات الثانوية والتعاملات المصرفية الدولية.
الأسواق العالمية في حالة ترقب
في الأسواق العالمية، يسود الحذر بشأن أي تحول محتمل في السياسة تجاه إيران، حيث تراقب شركات الطاقة والتأمين والشحن التطورات بدقة قبل اتخاذ أي قرارات استثمارية.
ويشير محللون إلى أن عودة إيران إلى الأسواق العالمية لن تكون سريعة، حتى في حال رفع العقوبات رسميًا، بسبب سنوات من العزلة الاقتصادية وعدم الاستقرار التنظيمي.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يبدو أن ملف العقوبات على إيران يدخل مرحلة معقدة من التفاوض البطيء والتفكيك التدريجي، وليس الانفراج السريع.
فبين القوانين الأميركية المتشابكة، والحسابات السياسية في الكونغرس، والمخاوف الاقتصادية لدى الشركات، يظل الطريق نحو رفع شامل ومستدام للعقوبات طويلًا ومليئًا بالعقبات.
وبينما تراهن طهران على تحويل الإعفاءات المؤقتة إلى مكاسب دائمة، تواصل واشنطن استخدام سياسة الضغط المشروط، في معادلة لا تزال مفتوحة على كل السيناريوهات.










