في ظل تبادل الاتهامات بين الخرطوم وواشنطن بشأن الكيميائي وملف وقف إطلاق النار، تتزايد الشكوك حول جدوى المسارات التفاوضية الحالية وإمكانية إحياء مبادرة جدة
واشنطن – المنشر_الاخباري
مقدمة المشهد الدبلوماسي
يشهد الملف السوداني مرحلة شديدة التعقيد سياسياً ودبلوماسياً، مع تصاعد الخلاف بين الحكومة السودانية والولايات المتحدة بشأن إدارة مسار التفاوض الخاص بوقف إطلاق النار، إلى جانب جدل متصاعد حول اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، وهي اتهامات تنفيها الخرطوم وتطالب بإثباتات رسمية بشأنها.
وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لتقديم نفسها كوسيط رئيسي في “رباعية السودان”، تتزايد الانتقادات لطريقة إدارة الملف، وسط اتهامات متبادلة تُضعف الثقة بين الأطراف الفاعلة وتعرقل أي تقدم ملموس على الأرض.
رفض سوداني للاتهامات الأميركية
في أحدث التطورات، رفض السفير السوداني لدى الأمم المتحدة الاتهامات التي أطلقها المبعوث الأميركي الخاص مسعد بولس، والتي اعتُبرت محاولة لتصوير القوات المسلحة السودانية على أنها طرف غير راغب في التوصل إلى وقف إطلاق النار.
وأكد الجانب السوداني أن هذه الاتهامات تفتقر إلى أدلة ملموسة، مشيراً إلى أن الخرطوم لم تتلقَ أي وثائق أو إثباتات رسمية من الجانب الأميركي بشأن مزاعم استخدام أسلحة كيميائية.
ويأتي هذا الموقف في سياق تصاعد التوتر الدبلوماسي بين الطرفين، حيث تعتبر الخرطوم أن الخطاب الأميركي الحالي يفتقر إلى الحياد المطلوب في الوساطة الدولية.
العقوبات الأميركية وتأثيرها على مسار التفاوض
بالتوازي مع هذه التطورات، فرضت الولايات المتحدة حزمة جديدة من العقوبات، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي وأثار تساؤلات حول مستقبل أي مسار تفاوضي محتمل.
ويرى مراقبون أن هذه العقوبات قد تؤدي إلى تقليص فرص التقدم عبر آلية “الرباعية الدولية”، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، خاصة في ظل تباين الأولويات بين الأطراف المشاركة.
كما تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن الضغوط المتزايدة قد تدفع بعض الأطراف إلى إعادة تقييم دورها داخل هذه الآلية أو البحث عن مسارات بديلة.
مسار جدة يعود إلى الواجهة
في موازاة ذلك، تتزايد تقارير غير رسمية عن احتمال إعادة إحياء “مسار جدة”، الذي كان قد انطلق سابقاً بوساطة سعودية–أميركية بهدف التوصل إلى تهدئة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وتشير هذه التسريبات إلى أن السودان والسعودية قد يكونان في مرحلة استكشاف لإعادة إطلاق المحادثات، في محاولة لكسر الجمود الحالي داخل القنوات التفاوضية الأخرى.
لكن في المقابل، تحذر واشنطن من ما تصفه بـ”تعدد المنصات التفاوضية” أو ما يُعرف بـ”forum shopping”، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى تفكيك الجهود الدولية بدل توحيدها.
أزمة الثقة في قيادة واشنطن للملف
تُبرز التطورات الحالية إشكالية أعمق تتعلق بدور الولايات المتحدة في الملف السوداني، حيث تتعرض لانتقادات متزايدة بشأن تناقض سياساتها بين الدفع نحو تسوية سياسية من جهة، واتخاذ إجراءات عقابية من جهة أخرى.
ويرى محللون أن هذا التناقض يضعف قدرة واشنطن على لعب دور الوسيط النزيه، خاصة عندما تتزامن الدعوات إلى التفاوض مع فرض عقوبات أو تبني مواقف تُفسَّر على أنها منحازة لأحد أطراف النزاع.
وبحسب هذا التقييم، فإن فقدان الثقة بين الأطراف المتنازعة والوسيط الدولي قد يجعل أي مبادرة سلام أكثر هشاشة وأقل قدرة على تحقيق اختراق حقيقي.
تعقيدات الحرب السودانية
تأتي هذه التطورات في سياق حرب مستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ عام 2023، والتي أدت إلى انهيار واسع في البنية السياسية والأمنية والإنسانية في البلاد.
ورغم تعدد المبادرات الإقليمية والدولية، فإن أيّاً منها لم ينجح حتى الآن في فرض وقف إطلاق نار دائم، وسط استمرار القتال في عدة جبهات رئيسية داخل السودان.
ويزيد تشابك المصالح الإقليمية والدولية من صعوبة الوصول إلى تسوية، حيث تنخرط أطراف متعددة في دعم سياسي أو لوجستي غير مباشر لأطراف النزاع.
مستقبل غامض للمفاوضات
في ظل هذه التطورات، يبدو مستقبل المسار التفاوضي مفتوحاً على عدة احتمالات، أقلها تفاؤلاً هو استمرار الجمود السياسي، وأكثرها تعقيداً هو تزايد انقسام المسارات التفاوضية بين منصات متعددة متنافسة.
ويرى مراقبون أن أي تقدم حقيقي سيتطلب إعادة بناء الثقة أولاً بين الأطراف الدولية، قبل حتى الانتقال إلى تفاصيل وقف إطلاق النار أو الترتيبات السياسية.
خاتمة
تعكس الأزمة الحالية في السودان نموذجاً معقداً من النزاعات الحديثة التي تتداخل فيها الحرب الميدانية بالدبلوماسية المتشابكة، حيث يصبح التفاوض نفسه ساحة صراع إضافية، لا وسيلة لإنهاء الصراع.
وفي ظل استمرار الاتهامات المتبادلة، والعقوبات، وتعدد المسارات التفاوضية، يبدو أن الطريق نحو السلام لا يزال طويلاً وغير مضمون النتائج.









