شهدت في نهاية يونيو 2026 موجة من الاضطرابات الأمنية التي تضع “الحرس الثوري” في قلب عاصفة من التحديات المتداخلة، فمن الهجمات المباغتة في كرمانشاه، إلى الاشتباكات العنيفة في الشمال الغربي، وصولاً إلى وفاة ائب الشؤون السياسية في القوة البحرية التابعة للحرس الثوري، محمد أكبر زاده، في “حادث سير ناتج عن انقلاب سيارة” على أحد الطرق في محافظة كرمان، جنوب شرق البلاد، تبدو الصورة الأمنية في إيران أكثر تعقيداً مما كانت عليه في أي وقت مضى، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المنظومة الأمنية على احتواء التهديدات الداخلية المتصاعدة.
خريطة التوتر: جغرافيا الاستنزاف
يمثل مقتل عنصرين من “الحرس الثوري” في محافظة كرمانشاه، إثر هجوم مسلح أمام منزلهما، تطوراً نوعياً يكسر نمط المواجهات المعتادة، هذا الهجوم لا يشير فقط إلى جرأة المهاجمين، بل يكشف عن ثغرات أمنية في حماية الكوادر الأمنية داخل المناطق الحضرية، مما يعني أن “الميدان الداخلي” بات جبهة مفتوحة.
بالتوازي، تشتعل الجبهة الغربية في محافظة أذربيجان الغربية، حيث شهد محور “شارستان” اشتباكات دموية بين الحرس الثوري وفصائل كردية معارضة.
هذا التصعيد يعكس حالة من “الاحتقان المزمن” التي تتجذر في المناطق ذات الغالبية الكردية منذ احتجاجات 2022، فالانتقال من العمليات المتقطعة إلى القصف المدفعي المتبادل يعطي دلالة على أن المنطقة دخلت مرحلة “المواجهة المفتوحة”، حيث لم يعد التهديد مجرد حراك سياسي، بل عاد ليأخذ طابعه العسكري التقليدي الذي يهدف لاستنزاف القوات الحكومية في تضاريس جبلية وعرة.
فقدان القيادة: فراغ في ملف “مضيق هرمز”
في خضم هذا التوتر الميداني، جاء نبأ وفاة اللواء البحري محمد أكبر زاده، النائب السياسي لمكتب المرشد في البحرية التابعة للحرس الثوري، ليضيف بعداً سياسياً وإدارياً للأزمة.
أكبر زاده لم يكن مجرد مسؤول عسكري، بل كان صوتاً إعلامياً وسياسياً بارزاً، خاصة في ملف التوترات في مضيق هرمز. إن غيابه بغض النظر عن طبيعة الحادث (انقلاب مركبة) يمثل خسارة لكادر مقرب من قيادة القوة البحرية، وشخصية كانت تشرف على صياغة الخطاب الدفاعي والردعي لإيران تجاه التهديدات الغربية.
الفراغ الذي يتركه مسؤول بهذا الحجم قد يؤثر على تماسك المؤسسة البحرية في وقت تعول فيه طهران على دورها في ممارسة الضغوط الإقليمية.
دلالات التوقيت: أزمة متعددة الجبهات
إن تزامن هذه الأحداث يشير إلى ثلاثة مؤشرات خطيرة بالنسبة لصناع القرار في طهران، لم يعد الحرس الثوري يواجه عدواً واحداً أو في منطقة واحدة، هناك ضغط أمني من الحدود الغربية، واضطرابات داخلية، وضغوط سياسية خارجية تترجم في شكل عقوبات تطال قياداته.
الاضطرار إلى استخدام وحدات المدفعية الثقيلة في “شارستان” يشير إلى أن المواجهات أصبحت تتطلب جهداً عسكرياً يتجاوز مهام الشرطة، مما يستنزف موارد القوات المسلحة في صراعات لا تبدو قريبة من الحسم.
الهجمات داخل المدن (كرمانشاه) والغموض الذي يحيط بحوادث السير للمسؤولين الرفيعين يفتح باب التكهنات حول وجود تآكل داخلي أو عمليات تصفية أو اختراقات استخباراتية، مما قد يؤدي إلى حملات تطهير أمنية داخلية تزيد من حالة التوتر داخل صفوف القوات المسلحة.
إلى أين تتجه إيران؟
إن ما يحدث في يونيو 2026 يعكس فشل استراتيجية “القبضة الأمنية الحديدية” في إنهاء المعارضة المسلحة في المناطق الحدودية. فكلما زادت وتيرة القمع أو العمليات العسكرية ضد الفصائل الكردية، زادت حدة الرد، مما يدخل البلاد في حلقة مفرغة من العنف.
وبالنسبة للحرس الثوري، فإن مقتل عناصره في كرمانشاه والتوتر في الشمال الغربي يضع المؤسسة في وضع دفاعي، حيث بات الحرس، الذي لطالما كان القوة التي تفرض الأمن في الخارج، يجد نفسه مشغولاً بتأمين وجوده في الداخل.
النظام الإيراني يقف اليوم أمام خيارين أحلاهما مر إما التصعيد العسكري الشامل الذي قد يغذي الاضطرابات الاجتماعية، أو القبول بواقع “الاستنزاف الأمني” الذي يستهلك قدراته على المدى الطويل، مما يجعل صيف 2026 فصلاً حاسماً في اختبار تماسك الدولة الإيرانية وقدرتها على ضبط جبهاتها الداخلية المتفجرة.










