تشهد الساحة السياسية الليبية حراكا مكثفا وغير مسبوق، في ظل ترتيبات دولية تقودها الولايات المتحدة وبمشاركة تركية، تهدف إلى إحداث اختراق جذري في الأزمة الليبية عبر “صفقة كبرى” تنهي سنوات من الانقسام السياسي والمؤسسي.
وفي قلب هذا التحرك، تبرز زيارة الفريق أول ركن صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، إلى واشنطن، والتي توجت بلقاءات رفيعة المستوى تفتح الباب أمام دور قيادي له في المرحلة المقبلة.
مباحثات واشنطن: رؤية أمريكية جديدة
التقى وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، يوم الاثنين، بصدام حفتر في واشنطن، في خطوة وصفت بأنها اعتراف أمريكي محوري بدور القيادة العامة في أي تسوية قادمة.
ووفقا لبيان الخارجية الأمريكية، ناقش الطرفان “السبل الممكنة للتعاون من أجل تعزيز الوحدة والسلام في ليبيا”، حيث أكدت واشنطن أنها ستبقى في طليعة الجهود الدبلوماسية لتهيئة الظروف لانتخابات ديمقراطية.
وقد حضر اللقاء مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، والذي يعد المهندس الرئيسي للمبادرة الأمريكية لتقاسم السلطة. ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة تحركات شملت أيضا زيارات لمسؤولين من طرابلس، من بينهم نائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي، مما يعكس سعي واشنطن لكسر الجليد بين طرفي النزاع.
ملامح المبادرة: حكومة موحدة ومجلس رئاسي جديد
تتمحور المبادرة التي يقودها “بولس” حول خارطة طريق تهدف إلى توحيد المؤسسات السيادية.
وتشير التسريبات المتداولة إلى سيناريو يقوم على دمج حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة وحكومة مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في حكومة موحدة، مع بقاء الدبيبة في منصبه، في مقابل تشكيل مجلس رئاسي جديد يرأسه صدام حفتر.
هذا السيناريو لا يتوقف عند السلطة التنفيذية، بل يمتد ليشمل توزيعا جديدا للحقائب السيادية.
وتتجه الأنظار نحو إبراهيم دبيبة أو وليد اللافي لتولي مهام حكومية حساسة، بينما يرجح بقوة تكليف عبد السلام الزوبي بوزارة الدفاع. كما تشمل الترتيبات مؤسسات استراتيجية مثل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، لضمان استقرار التدفقات المالية وتوحيد الميزانية العامة للدولة.
توازنات أمنية وتوافقات إقليمية
على الصعيد الأمني، تشير التقارير إلى توجه لتثبيت وزير الداخلية الحالي في منصبه، مع ترجيح تعيين عبد المجيد مليقطة على رأس جهاز المخابرات.
هذه التشكيلة، رغم أنها لم تحظ بختم الاعتماد الرسمي حتى نهاية يونيو 2026، إلا أنها تعكس توازنات دقيقة بين الشرق والغرب، وتحظى بدعم ضمني من قوى إقليمية، لا سيما مع بروز “لمسة تركية” في تسهيل دمج قوى الشرق سياسيا في طرابلس بعد سلسلة لقاءات استخباراتية رفيعة المستوى.
ويرى الكاتب السياسي حسين المسلاتي أن استقبال روبيو لصدام حفتر في واشنطن ليس مجرد بروتوكول، بل هو “إقرار أمريكي بأن أي تسوية في ليبيا لن يكتب لها النجاح إلا إذا مرت عبر المؤسسات القادرة على فرض الاستقرار”، وهو ما يعطي القيادة العامة ثقلا استراتيجيا في معادلة الحكم المقبلة.
تحديات الطريق نحو طرابلس
ورغم الزخم الدبلوماسي، لا يزال الطريق محفوفا بالعقبات. فالصفقة تواجه توجسات قوية من تكتلات مدنية ومسلحة في مدينة مصراتة والعاصمة طرابلس، التي تنظر بحذر إلى ما تصفه بـ”مخاطر توريث السلطة”. كما تبدي التيارات المحسوبة على الطيف الإسلامي والثوري معارضة صريحة لهذا المسار.
إن نجاح هذه المبادرة مرهون بمدى قدرة الوسطاء الدوليين على ضمان “ضمانات حقيقية” للأطراف المتنافرة، وجعل التنازلات السيادية مكسبا للجميع وليس إقصاء لأحد. وتدخل ليبيا اليوم مرحلة فاصلة، حيث تتجه الأنظار إلى ما ستؤول إليه اجتماعات الدوحة وواشنطن، في اختبار حقيقي للإرادة الدولية لإنهاء حالة “اللا سلم واللا حرب” التي استنزفت البلاد طويلا.










