اتهامات أميركية لمدريد بـ“عدم دفع حصتها العادلة” وردود أوروبية تؤكد السيادة على القرار الأمني
مدريد – المنشر_الاخباري
أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدلاً واسعاً داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد انتقاده الحاد لإسبانيا وعدد من الحلفاء الأوروبيين، متهماً إياهم بعدم الالتزام بما وصفه بـ“حصتهم العادلة” من الإنفاق الدفاعي داخل الحلف.
وجاءت تصريحات ترامب خلال لقاء علني في البيت الأبيض مع الأمين العام للناتو مارك روته في 24 يونيو، حيث عبّر عن خيبة أمله من عدة دول أوروبية، من بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا، قبل أن يوجّه انتقاداً أشدّ لإسبانيا.
انتقادات أميركية لاذعة لإسبانيا
قال ترامب إن إسبانيا “لا ترغب في الدفع”، مضيفاً أنها “تعتمد على الآخرين” في تحمل أعباء الدفاع داخل الحلف، ووصف موقفها بأنه “غير مقبول” ضمن منظومة الناتو.
وأضاف أن مدريد “تتعامل مع الأمن الأوروبي وكأنه خدمة مجانية”، في إشارة إلى الجدل المستمر داخل الحلف حول مستويات الإنفاق الدفاعي، والتزامات الدول الأعضاء تجاه أهداف الناتو المالية والعسكرية.
رد إسباني: لا نقبل الإملاءات الخارجية
في المقابل، رفضت الحكومة الإسبانية بشدة هذه الانتقادات، مؤكدة أن التزامها داخل الناتو “غير قابل للشك”، وأنها أوفت بتعهداتها الدفاعية وفق المعايير المتفق عليها.
وشدد مسؤولون إسبان على أن مدريد ستواصل تحديد سياساتها الدفاعية بشكل مستقل، بعيداً عن أي ضغوط خارجية، معتبرين أن الأمن القومي الإسباني يجب أن يُدار وفقاً لمصالح البلاد وأولوياتها السيادية، وليس وفق رغبات دولة بعينها مهما كانت قوتها.
وأكد ممثلون عن الحزب الاشتراكي الحاكم أن إسبانيا لا ترى ضرورة للخضوع لإملاءات سياسية من الخارج، وأن مساهمتها في الأمن الأوروبي كافية لتلبية متطلبات الناتو.
خلفية التوتر داخل الحلف
تأتي هذه المواجهة الكلامية في وقت يشهد فيه الناتو نقاشات متزايدة حول توزيع الأعباء الدفاعية بين أعضائه، وسط ضغوط أميركية مستمرة لرفع ميزانيات الدفاع في الدول الأوروبية.
ويُنظر إلى هذه التصريحات على أنها امتداد لنهج ترامب الذي تبناه خلال ولايته، والقائم على تحميل الحلفاء الأوروبيين مسؤولية أكبر في تمويل المنظومة العسكرية الغربية، مقابل استمرار الضمانات الأمنية الأميركية.
انقسامات أوروبية أوسع
إلى جانب ملف الإنفاق الدفاعي، تتصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بشأن قضايا السياسة الخارجية، بما في ذلك الموقف من الحرب في أوكرانيا، والسياسات تجاه الشرق الأوسط.
وتشير تقارير سياسية إلى أن هذه الخلافات تعكس تراجع مستوى الثقة المتبادلة داخل الحلف، حيث تتبنى بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، مواقف أكثر استقلالية في ملفات حساسة مثل فلسطين والعلاقات مع إيران.
اتهامات بالتدخل في السيادة الأوروبية
وفي سياق متصل، اعتبر عدد من السياسيين الإسبان أن تصريحات ترامب تمثل شكلاً من أشكال الضغط السياسي والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأوروبية، مؤكدين أن الدفاع الوطني لا يمكن اختزاله في نسب مالية فقط.
كما شددوا على أن أوروبا، رغم التزاماتها داخل الناتو، تسعى بشكل متزايد إلى بلورة سياسة أمنية أكثر استقلالاً عن واشنطن، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية.
جدل أوسع حول مستقبل الناتو
تأتي هذه التطورات في وقت حساس بالنسبة للحلف الأطلسي، مع اقتراب انعقاد قمم أمنية جديدة تهدف إلى إعادة تقييم أولويات الدفاع الجماعي، وسط خلافات متزايدة حول التمويل، ودور الولايات المتحدة في الأمن الأوروبي.
ويرى محللون أن استمرار هذا النوع من التصريحات قد يعمّق الانقسام داخل الحلف، ويعيد طرح الأسئلة حول مستقبل العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين في ظل تغير موازين القوى الدولية.
تعكس الأزمة بين ترامب وإسبانيا أكثر من مجرد خلاف حول الإنفاق الدفاعي، إذ تكشف عن تصاعد التوتر داخل الناتو بشأن السيادة الوطنية، وتوزيع الأعباء، ومستقبل القيادة الأميركية داخل التحالف العسكري الغربي.
ومع استمرار الخلافات، يبدو أن النقاش حول “من يدفع ثمن أمن أوروبا” سيظل أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.










