طهران – المنشر الاخبارى
تواصل قضية الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج إثارة الجدل على المستويين الإقليمي والدولي، بعد أن أعلنت دولة قطر مجدداً أن الأصول الإيرانية المحتجزة لديها، والتي تُقدّر بنحو 6 مليارات دولار، لم يتم تحويل أي جزء منها إلى طهران حتى الآن، رغم تصريحات متكررة من مسؤولين إيرانيين حول قرب الإفراج عنها.
ويأتي هذا التطور في وقت حساس تشهده العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، حيث تُجرى محادثات غير مباشرة بوساطة أطراف إقليمية، من بينها قطر، بهدف معالجة عدد من الملفات العالقة، أبرزها ملف العقوبات والأصول المجمدة والبرنامج النووي الإيراني.
تأكيد قطري على دور الوساطة لا الملكية
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن الدوحة لم تقم بتحويل أي أموال إلى إيران حتى الآن، مؤكداً أن قطر لا تملك هذه الأموال، بل تضطلع بدور الوسيط المالي في إطار اتفاق دولي تم التوصل إليه عام 2023.
وأوضح الأنصاري أن هذه الأموال مخصصة بشكل أساسي لشراء السلع الإنسانية، مثل الغذاء والدواء والمعدات الأساسية، وليست قابلة للاستخدام في أغراض أخرى خارج هذا الإطار المتفق عليه.
وأضاف أن أي قرار يتعلق بتحويل هذه الأموال أو الإفراج عنها يخضع لاتفاق مشترك بين الأطراف المعنية، وأن هذا الاتفاق لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ الكامل أو النهائي.
روايات إيرانية حول قرب الإفراج
في المقابل، كانت وسائل إعلام إيرانية قد نقلت تصريحات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تشير إلى أن بلاده تستعد لاستلام 6 مليارات دولار من أصولها المجمدة في قطر، في إطار تفاهمات اقتصادية وسياسية مرتبطة بالمفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة.
لكن تصريحات الدوحة الأخيرة تعكس وجود تباين واضح في التقديرات والمعلومات المتداولة بين الطرفين، ما يسلط الضوء على تعقيد الملف وتشابكه مع مسارات التفاوض السياسية والأمنية.
ويُنظر إلى هذه الأموال على أنها جزء من شبكة أوسع من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات موزعة على عدة دول، من بينها الصين وكوريا الجنوبية وبعض الدول الأوروبية.
خلفية الاتفاق ودور الوساطة القطرية
تعود جذور هذا الملف إلى ترتيبات مالية تم التوصل إليها في إطار تفاهمات بين طهران وواشنطن، بوساطة دول إقليمية لعبت قطر فيها دوراً محورياً، بهدف السماح باستخدام جزء من الأموال الإيرانية المجمدة لأغراض إنسانية تحت رقابة مشددة.
وبموجب هذه التفاهمات، تم نقل جزء من الأموال من حسابات مجمدة إلى حسابات مراقبة في قطر، على أن تُصرف تدريجياً وفق آلية محددة وبإشراف مباشر من أطراف الاتفاق، لضمان عدم استخدامها خارج الأغراض الإنسانية.
ورغم ذلك، لا تزال عملية التنفيذ تواجه عراقيل سياسية وقانونية، بسبب استمرار الخلافات بين إيران والولايات المتحدة حول ملفات متعددة، من بينها العقوبات والأنشطة النووية والدور الإقليمي لطهران.
الموقف الأمريكي والرقابة على الأموال
من الجانب الأمريكي، شددت واشنطن على ضرورة ضمان عدم استخدام أي أموال يتم الإفراج عنها في تمويل أنشطة عسكرية أو ما تصفه بـ”الإرهاب”، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى عملية التحويل.
وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن الولايات المتحدة ستضمن توجيه أي أموال إيرانية مفرج عنها نحو دعم الشعب الإيراني فقط، وليس لأغراض عسكرية أو دعم جماعات مسلحة، بحسب تعبيره.
وتعكس هذه التصريحات استمرار حالة انعدام الثقة بين واشنطن وطهران، رغم محاولات التهدئة التي تقودها أطراف إقليمية، وعلى رأسها قطر وسلطنة عمان في ملفات مختلفة.
البعد الاقتصادي للأزمة
تمثل الأموال الإيرانية المجمدة أحد أهم الملفات الاقتصادية في العلاقة بين إيران والغرب، إذ تعتبر طهران أن هذه الأصول هي أموال سيادية تعود للشعب الإيراني، وأن تجميدها يندرج ضمن سياسة الضغط الاقتصادي المفروضة عليها منذ سنوات.
في المقابل، ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن الإفراج عن هذه الأموال يجب أن يكون مشروطاً بضمانات سياسية وأمنية، لمنع استخدامها في تمويل أنشطة تهدد الاستقرار الإقليمي.
ويؤثر هذا الملف بشكل مباشر على الاقتصاد الإيراني الذي يعاني من ضغوط كبيرة بسبب العقوبات، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع معدلات التضخم، إضافة إلى تحديات العملة المحلية.
دور قطر كوسيط إقليمي
برزت قطر خلال السنوات الأخيرة كوسيط رئيسي في عدد من الملفات الحساسة بين إيران والولايات المتحدة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، وقدرتها على لعب دور دبلوماسي في القضايا المعقدة.
وتؤكد الدوحة أن دورها في هذا الملف يقتصر على الجانب الفني والمالي، دون الانحياز لأي طرف، مع التركيز على تسهيل تنفيذ التفاهمات الإنسانية.
لكن هذا الدور لا يخلو من ضغوط سياسية، خاصة في ظل التوترات المتزايدة في المنطقة، وتداخل الملفات من غزة إلى لبنان واليمن والخليج.
انعكاسات إقليمية أوسع
يرى مراقبون أن ملف الأموال المجمدة لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل فيه ملفات الأمن والطاقة والاتفاقات السياسية غير المكتملة بين إيران والغرب.
كما أن أي تقدم أو تعثر في هذا الملف ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه إيران في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين، يبقى ملف الأصول الإيرانية المجمدة أحد أبرز ملفات التفاوض المعقدة التي تجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن في آن واحد.










