في تحول جذري وجريء في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه المؤسسات الدولية، أصدر “معهد ميسغاف للأمن القومي” الإسرائيلي تقريراً يثير تساؤلات وجودية حول جدوى استمرار عضوية الولايات المتحدة في الأمم المتحدة.
يجادل تقرير معهد “ميسغاف”بأن المنظمة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، قد انحرفت عن مسارها بشكل لا رجعة فيه، لتتحول إلى ساحة تخدم مصالح القوى المعادية للغرب، وعلى رأسها الصين، بدلاً من تعزيز الاستقرار العالمي القائم على المبادئ الديمقراطية.
الصين وهندسة “الهيمنة الرقمية” داخل الأمم المتحدة
وفقاً لتقرير معهد “ميسغاف”، لم تكن الهيمنة الصينية على الأمم المتحدة وليدة الصدفة، بل نتيجة استراتيجية ذكية استغلت فيها بكين هيكلية المنظمة.
واعتمدت الصين على صيغة “مجموعة الـ77 + الصين”، وهو تحالف يضم الدول النامية التي تشكل ثلثي أعضاء المنظمة.
ومن خلال ادعاء دور “حامية الجنوب العالمي”، استطاعت بكين تحويل هذا التكتل إلى أداة لتوجيه الأمم المتحدة، مما يمنحها تأثيراً يتجاوز بمراحل مساهماتها المالية المتواضعة مقارنة بالمساهمة الأمريكية الضخمة.
هذا التحيز الهيكلي أتاح للصين – وفق التقرير – التخلص من المساءلة الدولية. ويستشهد المعهد بمواقف صريحة، منها منع بكين لمناقشات حول حقوق الإنسان في إقليم شينجيانغ، وإعادة تعريف مفاهيم حقوق الإنسان لتغليب “سيادة الدولة” على “الحريات الفردية”، بما يخدم الأنظمة الاستبدادية. علاوة على ذلك، استخدمت الصين نفوذها لعزل تايوان عن المنظمات الدولية، وشرعنت مبادرة “الحزام والطريق” كجزء من أهداف التنمية المستدامة، رغم الانتقادات الجيوسياسية الموجهة لها.
مفارقة الممول الأمريكي: “دفع الفاتورة” مقابل “تقويض السيادة”
تكمن الفضيحة الحقيقية،حسب تقرير ميسغاف، في التناقض الصارخ بين التمويل والتأثير، فبينما يتحمل دافعو الضرائب الأمريكيون نحو ثلث ميزانية الأمم المتحدة (حوالي 14.3 مليار دولار في عام 2024)، تسيطر دول لا تساهم سوى بنزر يسير على الأغلبية الكاسحة من الأصوات.
هذه الآلية القائمة على مبدأ “صوت واحد لكل دولة” سمحت بتحويل المنظمة إلى منصة تشرعن الهجمات على السيادة الأمريكية، بدءاً من انتقاد العقوبات الأمريكية على الخصوم، وصولاً إلى استهداف الحلفاء، وعلى رأسهم إسرائيل.
ويرى التقرير أن إسرائيل تواجه اليوم آلية إدانة “دائمة ومتعددة المستويات” عبر مؤسسات الأمم المتحدة، وهو ما يراه المعهد استراتيجية تهدف لنزع الشرعية عن الحلفاء، وخلق سوابق قانونية يمكن استخدامها لاحقاً ضد الولايات المتحدة ذاتها عبر حملات التشهير والاتهامات الجنائية الدولية المسيسة.
فشل المؤسسة: من الوعود إلى “كاريكاتير البيروقراطية”
بعيداً عن السياسة، ينتقد التقرير الأداء البيروقراطي للمنظمة. فالمؤسسة التي تدعم أكثر من 27 ألف اجتماع سنوياً وتنتج آلاف التقارير، تعاني من “تضخم غير منطقي”.
ويشير التقرير إلى أن 40% فقط من كيانات الأمم المتحدة لديها خطط استراتيجية حقيقية، وأن الميزانيات تذهب في دوامة لا تنتهي من الاجتماعات والوثائق التي تفتقر إلى أي آلية للقياس أو المساءلة.
والأخطر من ذلك هو فشل الأمم المتحدة في منع المجازر والنزاعات؛ من رواندا وصولاً إلى غزة ولبنان، حيث أصبحت بعض وكالاتها — مثل الأونروا — متهمة بتغذية التطرف بدلاً من معالجته.
استراتيجية “فك الارتباط والاستبدال”
في مواجهة هذا الواقع، يقدم تقرير معهد ميسغاف توصيات جذرية تتناغم مع التوجهات الجديدة في استراتيجية الخارجية الأمريكية (2026-2030). يدعو التقرير إلى تبني استراتيجية “فك الارتباط، والانسحاب، والاستبدال”.
ويطالب التقرير الكونغرس بإنهاء التمويل التلقائي، وجعل أي مساهمة أمريكية مشروطة بموافقة مسبقة وغرض محدد وضمانات صارمة.
ويضيف أنه لا يعني الانسحاب الانعزال، بل بناء هياكل تعاون دولي جديدة قائمة على التحالفات ذات الأهداف المحددة (مثل التحالفات العسكرية أو الاقتصادية الثنائية والمتعددة)، والاعتماد على منظمات غير حكومية موثوقة، والقطاع الخاص، والاتفاقيات الثنائية لتقديم المساعدات وتنسيق الأمن.
و يقترح معهد “ميسغاف” إلغاء الحصانات الدبلوماسية عن موظفي الأمم المتحدة المتورطين في الفساد، أو دعم الإرهاب، أو انتهاكات حقوق الإنسان، مع اتخاذ إجراءات عقابية تشمل منع التأشيرات والعقوبات الشخصية.
ويدعو التقرير إلى إنشاء فرقة عمل مشتركة بين الوكالات لإدارة الانسحاب القانوني والمنظم من هيئات الأمم المتحدة التي تضر بالمصالح الأمريكية، والربط الصريح بين المساعدات الخارجية للدول وسلوكها داخل المنظمة.
ويخلص تقرير معهد ميسغاف إلى أن محاولات إصلاح الأمم المتحدة من الداخل هي “رهان خاسر”، لأن الهيكل البيروقراطي نفسه محمي من قبل الدول التي تستفيد من استمراره وتضخمه. والرسالة التي يوجهها التقرير لصناع القرار في واشنطن واضحة: يجب التوقف عن التعامل مع المؤسسات الدولية كـ “غايات في حد ذاتها”.










