احتجاجات واسعة تجتاح مدن البلاد وسط تصاعد الخطاب المناهض للهجرة… الشرطة تستنفر الجيش وتعيد آلاف المهاجرين مع اتساع رقعة التوتر الاجتماعي
جوهانسبرج- المنشر_الاخباري
تشهد جنوب إفريقيا موجة تصعيد اجتماعي وسياسي غير مسبوقة، بعد خروج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع في مدن كبرى يوم الثلاثاء، في احتجاجات واسعة النطاق تطالب بترحيل المهاجرين غير النظاميين، وسط تصاعد حاد في الخطاب المناهض للهجرة داخل البلاد.
وأعلنت الشرطة الجنوب إفريقية اعتقال أكثر من 900 شخص خلال يوم واحد، في واحدة من أكبر حملات الاعتقال المرتبطة بالاحتجاجات في السنوات الأخيرة، بينما امتدت التظاهرات إلى نحو 120 مسيرة في مختلف أنحاء البلاد، تراوحت بين السلمية وأخرى شهدت مواجهات وأعمال عنف متفرقة.
وتأتي هذه التطورات في سياق اجتماعي متوتر يتزايد فيه الضغط على الحكومة بسبب قضايا البطالة والجريمة والهجرة غير النظامية، حيث تحولت هذه الملفات إلى محور رئيسي في الخطاب الشعبي والسياسي على حد سواء.
احتجاجات واسعة وشعارات حادة
المظاهرات التي انطلقت من عدة أحياء شعبية ومناطق حضرية، اتخذت طابعًا منسقًا إلى حد كبير، إذ حددت مجموعات مناهضة للهجرة ما وصفته بـ«موعد نهائي غير رسمي» لمغادرة المهاجرين غير النظاميين البلاد.
ورفع المتظاهرون شعارات تطالب الحكومة بـ«استعادة السيطرة على الحدود»، ووقف ما وصفوه بـ«تدهور الوضع الاقتصادي بسبب الهجرة غير المنظمة»، في حين ربط آخرون بين ارتفاع معدلات البطالة وتزايد أعداد المهاجرين من دول إفريقية مجاورة.
ورغم أن جزءًا كبيرًا من التظاهرات مرّ دون حوادث تُذكر، فإن مناطق معينة شهدت توترًا شديدًا استدعى تدخل قوات الأمن لاحتواء الوضع ومنع توسع المواجهات.
الشرطة: أكثر من 900 اعتقال
قالت الشرطة الجنوب إفريقية إنها نفذت عمليات توقيف واسعة خلال يوم الاحتجاجات، شملت أكثر من 900 شخص في أنحاء البلاد، بتهم تتعلق بالعنف العام، والنهب، ومخالفة قوانين الهجرة، وإيواء مهاجرين غير نظاميين، إضافة إلى أعمال سرقة مرتبطة ببعض التجمعات.
وأوضحت السلطات أن الإجراءات الأمنية كانت تهدف إلى منع تحول الاحتجاجات إلى موجة فوضى شاملة، في ظل وجود مؤشرات على احتمال تصعيد في بعض المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
كما أكدت الشرطة أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد الجهات التي تقف وراء تنظيم بعض أعمال العنف التي رافقت المسيرات.
تدخل الجيش في حالة التأهب
في تطور لافت، أعلنت وزارة الشرطة أن الجيش تم نشره في حالة «جاهزية احتياطية» في مناطق محددة من جوهانسبرغ وديربان، تحسبًا لتدهور الأوضاع الميدانية.
وقال وزير الشرطة فيروز كاشاليا إن هذا الانتشار لا يعني فرض حالة طوارئ، لكنه إجراء احترازي لضمان الاستقرار ومنع امتداد أعمال العنف.
وفي حي هيلبرو، أحد أكثر المناطق كثافة سكانية وتنوعًا، شهدت الاحتجاجات حادثة إطلاق نار أدت إلى اعتقال ثلاثة أشخاص، قبل أن يقوم متظاهرون بإحراق مركبة كانت في موقع الحادث، ما زاد من حدة التوتر في المنطقة.
موقف الحكومة: “مخاوف مشروعة لكن العنف مرفوض”
الرئيس سيريل رامافوزا التقى قبل الاحتجاجات بعدد من قادة المجموعات المنظمة، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع تفاقم الوضع.
وخلال اللقاء، أقر رامافوزا بأن المخاوف المرتبطة بالهجرة غير النظامية «حقيقية ومشروعة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على رفض الحكومة القاطع لأي أعمال عنف أو تخريب أو تهديد للأجانب.
وأكد الرئيس أن الدولة ستتعامل مع ملف الهجرة ضمن الأطر القانونية، وأن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة جذور الأزمة.
أرقام الهجرة والضغط الاجتماعي
بحسب البيانات الرسمية، تستضيف جنوب إفريقيا أكثر من 3 ملايين أجنبي مقيم بشكل قانوني، ما يمثل نحو 5.1% من إجمالي السكان، في حين تشير تقديرات أخرى إلى وجود عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، خصوصًا من دول الجوار في إفريقيا الجنوبية.
ومنذ بداية العام، أعلنت السلطات ترحيل نحو 25 ألف مهاجر غير نظامي، في إطار حملة مستمرة لضبط الحدود وتشديد إجراءات الإقامة.
ويرى محللون أن هذه الأرقام، رغم محدوديتها مقارنة بدول أخرى، أصبحت جزءًا من نقاش سياسي حاد داخل البلاد، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.
تصعيد إقليمي وإجلاء جماعي
لم تقتصر تداعيات الاحتجاجات على الداخل الجنوب إفريقي، إذ بدأت عدة دول إفريقية اتخاذ إجراءات احترازية لحماية مواطنيها المقيمين في البلاد.
فقد قامت نيجيريا بإجلاء 269 من مواطنيها قبل يوم من الاحتجاجات، لترتفع حصيلة العائدين إلى نحو 600 شخص، فيما أعلنت غانا وملاوي وموزمبيق وزيمبابوي عمليات مماثلة لإعادة مواطنيها عبر رحلات جوية أو حافلات خاصة.
كما أعلنت أوغندا عن خطة لإجلاء ما يقارب 750 من رعاياها، في خطوة تعكس حجم القلق الإقليمي من احتمال توسع الاضطرابات.
خلفيات الأزمة: اقتصاد هش وضغط سكاني
تأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه جنوب إفريقيا من ضغوط اقتصادية معقدة، تشمل معدلات بطالة مرتفعة، وتباطؤ النمو، وتزايد الفجوة الاجتماعية بين الطبقات.
ويعتبر كثير من السكان أن الهجرة غير النظامية تضيف عبئًا إضافيًا على سوق العمل والخدمات العامة، بينما يرى آخرون أن الأزمة الحقيقية تكمن في ضعف السياسات الاقتصادية وليس في وجود المهاجرين.
هذا الانقسام الحاد انعكس على الشارع، حيث باتت قضايا الهجرة جزءًا من خطاب سياسي وشعبي متصاعد، يزداد تأثيره مع كل أزمة اقتصادية أو حادث أمني.
بين الأمن وحقوق الإنسان
منظمات حقوقية حذرت من أن التصعيد الحالي قد يؤدي إلى موجة من العنف ضد المهاجرين، إذا لم يتم احتواء الخطاب التحريضي المتزايد.
وفي المقابل، تؤكد السلطات أنها ملتزمة بالقانون الدولي، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغطًا داخليًا متزايدًا لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الهجرة غير النظامية.
خاتمة: أزمة مفتوحة على احتمالات متعددة
مع استمرار التوتر في الشوارع، تبدو جنوب إفريقيا أمام اختبار صعب بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي من جهة، والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان من جهة أخرى.
وبينما تحاول الحكومة احتواء الوضع عبر إجراءات أمنية وإدارية، فإن جذور الأزمة العميقة — الاقتصادية والاجتماعية والسياسية — تشير إلى أن هذه الاحتجاجات قد تكون مجرد بداية لموجة أطول من التوترات داخل واحدة من أكبر اقتصادات إفريقيا.









