دراسة نشرتها مجلة Small Wars Journal تؤكد أن هجوم المسيّرات الذي أودى بحياة جنود حفظ سلام في السودان كشف عجز الأمم المتحدة عن مواكبة حروب الطائرات المسيّرة والوكلاء، محذرة من أن بعثات السلام قد تتحول إلى أهداف سهلة ما لم تُجرَ إصلاحات عاجلة.
بورتسودان- المنشر_الاخباري
حذرت دراسة أمريكية حديثة من أن الحرب الدائرة في السودان كشفت عن أزمة غير مسبوقة داخل منظومة عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، معتبرة أن الهجوم الذي استهدف قوات أممية أواخر عام 2025 لم يكن مجرد حادث ميداني، بل إنذارًا باقتراب نهاية نموذج حفظ السلام التقليدي الذي اعتمدته المنظمة الدولية لعقود.
وقالت الدراسة، التي نشرتها مجلة Small Wars Journal التابعة لجامعة ولاية أريزونا، إن الضربة التي نفذتها طائرة مسيّرة ضد قاعدة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في أبيي (UNISFA) وأدت إلى مقتل ستة جنود من قوات حفظ السلام البنغلاديشية، كشفت أن قوات الأمم المتحدة أصبحت تواجه تهديدات لم تُصمم للتعامل معها.
وأضافت أن الصراعات الحديثة لم تعد تقتصر على الاشتباكات البرية أو مراقبة اتفاقات وقف إطلاق النار، بل دخلت مرحلة جديدة تعتمد على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، والأسلحة الدقيقة، والجماعات المسلحة المدعومة من قوى إقليمية، وهو ما جعل القبعات الزرق أكثر عرضة للاستهداف المباشر.
وأكد التقرير أن الهجوم الذي وقع في مدينة كادقلي السودانية استمر نحو عشر دقائق فقط، لكنه كان كافيًا لإحداث خسائر كبيرة داخل القاعدة الأممية، بعد استهداف مستودع للوقود بواسطة طائرة مسيّرة انتحارية.
ورأت الدراسة أن خطورة الحادث لا تكمن في عدد الضحايا فقط، وإنما في الرسالة التي حملها، وهي أن بعثات الأمم المتحدة لم تعد تتمتع بالحماية أو الحصانة التي كانت تتمتع بها في النزاعات السابقة.
وأشارت إلى أن الحرب السودانية تحولت خلال العامين الماضيين إلى أحد أبرز ميادين اختبار استخدام المسيّرات العسكرية، بعدما وسعت الأطراف المتحاربة اعتمادها على هذا النوع من الأسلحة في تنفيذ ضربات بعيدة المدى يصعب رصدها أو اعتراضها.
وأوضح معدو الدراسة أن قوات الدعم السريع، التي اتهمها الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا العسكرية الحديثة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، الأمر الذي غيّر طبيعة الحرب بالكامل.
واعتبر التقرير أن الأمم المتحدة لا تزال تدير عملياتها وفق عقيدة عسكرية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، في حين تغيرت طبيعة الحروب جذريًا، وأصبحت تعتمد على الهجمات الدقيقة والضربات المفاجئة والجهات المسلحة غير النظامية.
وأكدت الدراسة أن الخطر لا يقتصر على السودان، بل يمتد إلى معظم بعثات الأمم المتحدة المنتشرة في إفريقيا والشرق الأوسط، والتي أصبحت تعمل في بيئات تتزايد فيها الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى.
كما ربط التقرير بين تراجع مستوى حماية قوات حفظ السلام والانخفاض الكبير في التمويل الأمريكي المخصص لعمليات الأمم المتحدة، موضحًا أن تقليص الميزانيات انعكس بصورة مباشرة على قدرات البعثات في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والدعم اللوجستي.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة كانت تمثل أحد أبرز الممولين لقدرات المراقبة الجوية والطائرات غير المأهولة المستخدمة في جمع المعلومات، إلا أن تقليص مساهماتها أدى إلى انخفاض كبير في طلعات الاستطلاع.
وأوضح التقرير أن بعض بعثات الأمم المتحدة كانت تنفذ سابقًا طلعات استطلاع أسبوعية بالطائرات المسيّرة، بينما أصبحت اليوم لا تحصل إلا على طلعة واحدة كل عدة أشهر بسبب نقص الإمكانات.
وحذر الباحثون من أن هذا التراجع جعل قوات حفظ السلام تتحرك في كثير من الأحيان داخل مناطق عالية الخطورة دون امتلاك صورة استخباراتية دقيقة عن تحركات الجماعات المسلحة.
وكشف التقرير أن مجلس الأمن الدولي تلقى قبل الهجوم عدة تقارير عن تصاعد تحركات قوات الدعم السريع حول مناطق انتشار الأمم المتحدة، إضافة إلى اعتراض قوافل الإمداد وإنشاء نقاط تفتيش غير قانونية، إلا أن تلك المؤشرات لم تتحول إلى إجراءات وقائية فعالة.
وأضاف أن مركز التحليل المشترك للمعلومات داخل بعثة الأمم المتحدة لم ينجح في إصدار إنذارات مبكرة تساعد القوات على إعادة الانتشار أو رفع مستوى التأهب قبل وقوع الهجوم.
وانتقدت الدراسة القيود المفروضة على منظومة الاستخبارات داخل الأمم المتحدة، موضحة أن البعثات تعتمد بدرجة كبيرة على تقارير رسمية بطيئة، بينما لا تستفيد بالشكل الكافي من المعلومات مفتوحة المصدر أو من البيانات التي يجمعها الجنود أنفسهم خلال دورياتهم.
كما أشارت إلى أن قوات حفظ السلام ممنوعة عمليًا من بناء شبكات معلومات بشرية محلية، حتى عندما يعرض السكان تزويدها بمعلومات أمنية، وهو ما يحد كثيرًا من قدرتها على استباق التهديدات.
وأكد التقرير أن انتشار الحروب بالوكالة زاد من تعقيد مهمة قوات الأمم المتحدة، لأن الجماعات المسلحة المدعومة من أطراف خارجية تستطيع تنفيذ هجمات دون تحمل الدول الداعمة مسؤولية مباشرة عنها.
واعتبر الباحثون أن هذا الواقع الجديد يجعل من الصعب تطبيق قواعد حفظ السلام التقليدية القائمة على الحياد وموافقة أطراف النزاع، لأن بعض الفاعلين لم يعودوا يعترفون أصلًا بحصانة القوات الدولية.
ودعت الدراسة الأمم المتحدة إلى إعادة صياغة عقيدتها العسكرية بالكامل، بما يشمل إدخال أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة ضمن التجهيزات الأساسية لأي بعثة جديدة، وتزويد القواعد برادارات صغيرة وأجهزة تشويش وإنذار مبكر.
كما أوصت بتحديث برامج تدريب قوات حفظ السلام لتشمل كيفية التعامل مع هجمات المسيّرات والذخائر المتسكعة، إضافة إلى تعديل قواعد الاشتباك بما يسمح للقوات بإسقاط أي طائرة تشكل تهديدًا مباشرًا.
ورأت الدراسة أن على الدول المساهمة بقوات، وفي مقدمتها بنغلاديش والهند ورواندا ونيبال، أن تضغط داخل الأمم المتحدة للحصول على موارد أكبر، وعدم قبول نشر قواتها في بيئات قتالية متطورة دون وسائل حماية كافية.
واختتم التقرير بتحذير واضح مفاده أن استمرار الأمم المتحدة في إدارة بعثات حفظ السلام بالأدوات القديمة نفسها، في ظل الحروب الحديثة، سيحول القبعات الزرق تدريجيًا من قوة لحفظ السلام إلى أهداف سهلة على ساحات القتال.










