واشنطن – المنشر الاخبارى
تثير السياسة الأميركية تجاه أفريقيا جدلًا متزايدًا في الأوساط البحثية والدبلوماسية، مع تصاعد مؤشرات على تراجع النفوذ التقليدي لواشنطن في قارة تشهد تحولات اقتصادية وجيوسياسية سريعة. وفي هذا السياق، يقدم تحليل صادر عن مركز ADISS رؤية نقدية تعتبر أن الولايات المتحدة ما زالت تتحرك ضمن أطر قديمة لم تعد تتناسب مع الواقع الأفريقي الجديد، ما قد يؤدي إلى إضعاف موقعها الاستراتيجي على المدى الطويل.
ويشير التحليل إلى أن واشنطن لا تزال تتعامل مع أفريقيا عبر مقاربتين رئيسيتين: الأولى أمنية-إغاثية تركز على إدارة الأزمات والصراعات، والثانية تنافسية ترتبط أساسًا بمحاولة احتواء النفوذ الصيني والروسي. لكن الإشكال، بحسب الورقة، أن هاتين المقاربتين تتجاهلان التحول العميق في بنية عدد من الدول الأفريقية، التي لم تعد مجرد ساحات نفوذ، بل أصبحت مراكز ناشئة للنمو الاقتصادي والتكنولوجي وإعادة تشكيل العلاقات الدولية.
إثيوبيا كنموذج لتحول أفريقي أوسع
تُقدَّم إثيوبيا في هذا السياق بوصفها نموذجًا مركزيًا لفهم هذا التحول. فالدولة التي ارتبطت تاريخيًا بالمساعدات الخارجية والدور الأمني في القرن الأفريقي، أصبحت اليوم فاعلًا اقتصاديًا وديموغرافيًا ضخمًا، يمتلك مقومات تجعل منه محورًا إقليميًا مؤثرًا.
تستضيف أديس أبابا مقر الاتحاد الأفريقي، ما يمنحها موقعًا سياسيًا رمزيًا يتجاوز حدودها الوطنية، بينما يجعلها عدد السكان الكبير وسرعة النمو الاقتصادي واحدة من أكبر الأسواق في القارة. ووفق المعطيات الواردة في التحليل، يتجاوز عدد سكان إثيوبيا 130 مليون نسمة، ما يضعها في المرتبة الثانية أفريقيًا من حيث حجم السوق الاستهلاكي.
هذا التحول لا يتعلق فقط بالحجم، بل أيضًا بإعادة تشكيل دور الدولة في الاقتصاد والعلاقات الخارجية، حيث بدأت إثيوبيا في تنويع شراكاتها بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على واشنطن.
من اقتصاد مغلق إلى مرحلة انفتاح تدريجي
تشير الورقة إلى أن إثيوبيا دخلت منذ سنوات مرحلة إصلاح اقتصادي تدريجي، شملت تحرير قطاعات استراتيجية مثل الاتصالات والقطاع المالي، إلى جانب إطلاق بورصة أوراق مالية وإصلاح نظام سعر الصرف. ورغم التحديات المرتبطة بالديون والتضخم والضغوط الأمنية، فإن هذه الخطوات تعكس انتقالًا واضحًا نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا وتعددية.
كما يبرز التحول الرقمي كأحد أهم محركات التغيير، إذ توسعت خدمات الهاتف المحمول بشكل كبير، وارتفع استخدام المدفوعات الرقمية، بالتوازي مع إدخال نظام الهوية الرقمية وتوسيع الخدمات الحكومية الإلكترونية. هذه التطورات تعيد تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية بشكل متسارع، وتفتح المجال أمام دخول استثمارات جديدة أكثر تنوعًا.
تراجع الاحتكار الخارجي وتعدد الشركاء
في المقابل، لم تعد إثيوبيا تعتمد على شريك دولي واحد. فالصين رسخت حضورها عبر مشاريع البنية التحتية الكبرى، بينما عززت دول الخليج وتركيا والهند وروسيا أدوارها في قطاعات مختلفة مثل التمويل واللوجستيات والتصنيع.
هذا التعدد في الشركاء أدى إلى تقليص قدرة أي قوة منفردة على فرض شروطها السياسية أو الاقتصادية، وهو ما يمثل تحديًا مباشرًا للنفوذ الأميركي التقليدي الذي كان يعتمد على أدوات المساعدات والضغط الدبلوماسي.
سد النهضة: رمز السيادة وإخفاق الوساطة
تُعد أزمة سد النهضة أحد أبرز الأمثلة على تعثر السياسة الأميركية في فهم التحولات الإقليمية. فمحاولات واشنطن للتوسط بين إثيوبيا ومصر انتهت إلى نتائج عكسية، إذ اعتبرت أديس أبابا أن الموقف الأميركي يميل لصالح القاهرة، ما أضعف ثقة إثيوبيا في دور الوسيط.
وترى إثيوبيا أن السد ليس مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل مشروع سيادي يرتبط بحقها في استخدام مواردها المائية لتحقيق التنمية. وقد عزز تمويل المشروع داخليًا دون الاعتماد على مؤسسات دولية هذا البعد السيادي، وجعله أكثر حساسية في مواجهة الضغوط الخارجية.
وبحسب التحليل، فإن فشل الوساطة الأميركية يعود إلى عدم الفصل بين البعد الفني المتعلق بإدارة المياه، والبعد السياسي المرتبط بتوازنات القوة التاريخية في حوض النيل، ما أدى إلى فقدان واشنطن موقعها كوسيط محايد.
قصور في الأدوات الاقتصادية الأميركية
يرى التقرير أن أحد أبرز أوجه القصور في السياسة الأميركية يتمثل في غياب رؤية اقتصادية متكاملة تجاه إثيوبيا. فاستبعادها من برنامج “أغوا” (AGOA) قلّص من جاذبية السوق الإثيوبي بالنسبة للمستثمرين الأميركيين، في وقت تتوسع فيه المنافسة الدولية على الدخول إلى هذا السوق.
كما أن التركيز الأميركي على ملف المعادن الاستراتيجية فقط يجعل السياسة الاقتصادية محدودة الأفق، لأنها تتجاهل قطاعات أكثر أهمية على المدى الطويل مثل الصناعة، والخدمات الرقمية، والبنية التحتية المالية.
إعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي
في المقابل، تتحرك قوى أخرى بسرعة لملء الفراغ. فالشركات الصينية والشرق أوسطية والآسيوية لا تكتفي بالاستثمار، بل تساهم في بناء أنظمة اقتصادية ومؤسسية جديدة داخل إثيوبيا، من شبكات الدفع إلى اللوجستيات وسلاسل التوريد.
هذا النوع من الاستثمار المبكر يخلق نفوذًا طويل الأمد يتجاوز العائد المالي المباشر، لأنه يعيد تشكيل قواعد السوق نفسها ويؤثر في التشريعات والبيئة التنظيمية.
نموذج مختلف: الشراكة التجارية بدل الضغط السياسي
يقدّم التحليل مثالًا لافتًا يتمثل في شراكة الخطوط الجوية الإثيوبية مع شركة بوينغ الأميركية، باعتبارها نموذجًا ناجحًا للتعاون القائم على المصالح المتبادلة بدلًا من الضغوط السياسية.
هذه الشراكة ساهمت في تحويل أديس أبابا إلى مركز طيران إقليمي، ومنحت بوينغ حضورًا مستدامًا في سوق أفريقي متوسع. ويعتبر التقرير أن هذا النموذج يمكن تعميمه في قطاعات أخرى مثل الطاقة والتكنولوجيا والخدمات الرقمية.
نحو سياسة أميركية أكثر واقعية
في ضوء هذه التحولات، يدعو التحليل إلى إعادة صياغة السياسة الأميركية في أفريقيا، عبر ثلاث أولويات رئيسية:
- التعامل مع إثيوبيا كفاعل استراتيجي مستقل وليس كدولة تابعة للنفوذ التقليدي.
- بناء إطار تجاري طويل الأمد يربط المؤسسات المالية الأميركية بالأسواق الأفريقية الناشئة.
- التركيز على الشراكات القطاعية في مجالات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية بدل الاكتفاء بالمساعدات أو الضغط السياسي.
ويخلص التحليل إلى أن التحدي الحقيقي أمام الولايات المتحدة لم يعد في اختيار “شريك أفريقي بديل” للصين أو روسيا، بل في قدرتها على التكيف مع واقع جديد لم تعد فيه أفريقيا ساحة نفوذ تقليدية، بل فضاءً تنافسيًا متعدد الأقطاب، تُصاغ فيه العلاقات على أساس المصالح المتبادلة لا التبعية السياسية.










