طهران – المنشر_الاخباري
مشهد جنائزي يتحول إلى اختبار سياسي للدولة
بدت مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وكأنها أكثر من مجرد حدث جنائزي، إذ تحولت سريعاً إلى استعراض سياسي واسع النطاق. فقد امتلأت شوارع طهران بمئات الآلاف من المشاركين في مراسم تستمر لأسبوع، في مشهد أرادت من خلاله السلطات الإيرانية تأكيد قدرتها على الحشد وإظهار تماسك النظام بعد أشهر من الاضطرابات والضغوط الخارجية.
خامنئي، الذي قُتل في فبراير الماضي خلال ضربات أميركية–إسرائيلية أنهت حقبة حكم امتدت لعقود، أصبح موته نقطة مركزية في إعادة تشكيل الرواية الرسمية للدولة، التي تحاول تقديم صورة “الاستمرارية” رغم فقدان رأس النظام.
حضور دولي محسوب يعكس شبكة علاقات متغيرة
الحضور الخارجي في الجنازة جاء محدوداً لكنه محسوب بدقة، حيث شاركت وفود من دول لا تزال تحتفظ بعلاقات سياسية مع طهران، في مقدمتها روسيا والصين وعدد من دول آسيا الوسطى مثل طاجيكستان وتركمانستان، إضافة إلى العراق وأفغانستان وباكستان.
كما حضرت وفود تمثل أطرافاً غير حكومية أو حركات سياسية مسلحة مدعومة من إيران في المنطقة، ما منح الحدث بعداً إقليمياً واضحاً. هذا التوزيع في الحضور عكس محاولة إيران إبراز ما تسميه “تعددية العلاقات الدولية”، في مواجهة العزلة الغربية المتزايدة.
غياب المرشد الجديد يفتح باب التكهنات
في المقابل، كان الغياب اللافت للمرشد الأعلى الجديد أحد أكثر عناصر المشهد إثارة للجدل. فبينما تتحدث تقارير إعلامية عن توليه المنصب، لم يظهر في أي من فعاليات الجنازة، ما أثار تساؤلات واسعة حول وضعه الحقيقي.
وتراوحت التفسيرات بين احتمال تعرضه لإصابات خلال الهجمات نفسها التي أودت بخامنئي، أو قرار سياسي بتأجيل ظهوره إلى مرحلة لاحقة لتفادي تداخل الرمزية بين الحدثين. هذا الغياب ألقى بظلال من الغموض على عملية انتقال السلطة، وهي من أكثر اللحظات حساسية في النظام الإيراني.
استعراض قوة داخلي وسط بيئة سياسية مضطربة
داخلياً، حاولت طهران تقديم الجنازة كدليل على استمرار الالتفاف الشعبي حول النظام. فقد ظهر الحضور الجماهيري الكبير كرسالة سياسية موجهة للخارج قبل الداخل، مفادها أن الدولة لا تزال قادرة على تعبئة الشارع رغم سنوات من الاحتجاجات والأزمات الاقتصادية.
لكن هذا المشهد يظل محل جدل، إذ يرى مراقبون أن الحشود المنظمة لا تعكس بالضرورة المزاج الشعبي العام، خاصة في ظل القيود الأمنية المشددة والتجارب السابقة مع الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد.
بعد إقليمي واضح: تأكيد النفوذ رغم الضغوط
على المستوى الإقليمي، سعت إيران إلى استخدام الجنازة كمنصة لإعادة تثبيت حضورها في المنطقة. فقد برزت مشاركة حلفائها التقليديين في العراق ولبنان واليمن، إلى جانب وفود من دول صديقة، في محاولة لإظهار أن شبكة النفوذ الإيراني لا تزال قائمة رغم الضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية.
ويبدو أن طهران أرادت من خلال هذا المشهد إرسال رسالة مفادها أن ما تسميه “محور المقاومة” ما زال فاعلاً، وأن توازنات القوة في المنطقة لم تتغير بشكل جذري لصالح خصومها.
ما بعد الجنازة: إيران أمام مرحلة إعادة تموضع
مع انتهاء مراسم التشييع، تتجه الأنظار إلى الخطوات المقبلة للقيادة الإيرانية. فالسؤال الأساسي لم يعد مرتبطاً بطبيعة الحدث نفسه، بل بكيفية استثماره سياسياً: هل ستسعى طهران إلى تعزيز حضورها الإقليمي مستفيدة من الزخم الرمزي؟ أم أنها ستتجه إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية في ظل ضغوط اقتصادية وأمنية متصاعدة؟
وفي الخلفية، يظل ملف العلاقات مع الولايات المتحدة مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، بين التصعيد أو التهدئة، ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة إيران على إدارة انتقال سياسي حساس في لحظة إقليمية معقدة.










