انتقادات حادة لأديس أبابا بعد ورقة بحثية جديدة اعتبرتها هرجيسا محاولة للالتفاف على ملف الاعتراف الرسمي واستعادة الزخم الذي فقدته مذكرة التفاهم الموقعة عام 2024
أديس أبابا- المنشر_الاخباري
أثارت ورقة بحثية إثيوبية جديدة تناولت مفهوم “الاعتراف التشغيلي” بأرض الصومال جدلاً سياسياً في منطقة القرن الأفريقي، بعدما قوبلت بانتقادات حادة من شخصيات ومسؤولين مقربين من حكومة أرض الصومال، الذين اعتبروا أن الطرح الإثيوبي يعكس حالة من التردد السياسي ومحاولة متأخرة للحاق بمتغيرات المنطقة.
وجاءت الانتقادات بعد تداول دراسة صادرة عن دوائر بحثية إثيوبية تناولت إمكانية إقامة علاقات عملية مع أرض الصومال دون الوصول إلى مرحلة الاعتراف الدبلوماسي الكامل، وهو ما وصفه مسؤولون في هرجيسا بأنه “محاولة للالتفاف على الواقع السياسي القائم”.
وقالت شخصيات سياسية في أرض الصومال إن مفهوم “الاعتراف التشغيلي” لا يحمل أي قيمة قانونية أو سياسية بالنسبة للإقليم، مشددة على أن أرض الصومال تدير شؤونها بصورة مستقلة منذ أكثر من ثلاثة عقود وتمتلك مؤسساتها الأمنية والسياسية والإدارية الخاصة.
واعتبرت تلك الشخصيات أن أديس أبابا تحاول إعادة صياغة موقفها بعد تعثر تنفيذ مذكرة التفاهم التاريخية التي وقعتها مع أرض الصومال مطلع عام 2024، والتي أثارت حينها عاصفة من الجدل الإقليمي والدولي.
وكانت إثيوبيا قد وقعت في يناير 2024 مذكرة تفاهم مع أرض الصومال تمنحها حق الوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء في الإقليم، مقابل دراسة إمكانية الاعتراف بأرض الصومال، في خطوة أثارت اعتراضات شديدة من الحكومة الفيدرالية في مقديشو.
وأدى الاتفاق آنذاك إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين الصومال وإثيوبيا، دفعت دولاً إقليمية ودولية إلى التدخل لاحتواء التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة سياسية وأمنية أوسع.
ويرى مراقبون أن الورقة الإثيوبية الجديدة تعكس استمرار اهتمام أديس أبابا بإيجاد منفذ بحري دائم، في ظل اعتمادها الكبير على موانئ جيبوتي لتلبية احتياجاتها التجارية، وهو ما تعتبره النخب الإثيوبية أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه البلاد.
لكن مسؤولين في أرض الصومال قالوا إن أي علاقة مستقبلية مع إثيوبيا يجب أن تقوم على أساس “الندية والاعتراف بالحقائق السياسية”، معتبرين أن البحث عن صيغ جديدة لتجنب الاعتراف الرسمي لن يغير من واقع وجود أرض الصومال ككيان سياسي مستقل بحكم الأمر الواقع.
وأكدت شخصيات سياسية من هرجيسا أن أرض الصومال “تسيطر على أراضيها ومياهها الإقليمية وتحدد شراكاتها الخارجية بنفسها”، مشددة على أن أي ترتيبات تتعلق بالبحر الأحمر أو الموانئ يجب أن تتم وفقاً لمصالح الإقليم وسيادته.
ويشير محللون إلى أن الجدل المتجدد حول قضية الاعتراف بأرض الصومال يأتي في وقت تشهد فيه منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي تنافساً متزايداً بين القوى الإقليمية والدولية، بسبب الأهمية الجيوسياسية للممرات البحرية التي تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا.
كما أن التوترات الأمنية في المنطقة، سواء في السودان أو اليمن أو الصومال، جعلت من السيطرة على الموانئ والممرات البحرية قضية استراتيجية بالنسبة للدول المطلة على البحر الأحمر والدول الساعية إلى توسيع نفوذها فيه.
ومنذ إعلان انفصالها عن الصومال عام 1991، تمكنت أرض الصومال من بناء مؤسسات سياسية وأمنية خاصة بها، وإجراء عدة انتخابات رئاسية وبرلمانية، إلا أنها لم تحصل حتى الآن على اعتراف رسمي من الأمم المتحدة أو غالبية دول العالم.
وتتمسك الحكومة الفيدرالية في مقديشو بموقفها الرافض لأي خطوة يمكن أن تفضي إلى الاعتراف بأرض الصومال، مؤكدة أن الإقليم جزء لا يتجزأ من الدولة الصومالية.
وفي المقابل، ترى سلطات هرجيسا أن استمرار تجاهل المجتمع الدولي لواقعها السياسي لم يعد يتناسب مع التطورات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية، خاصة في ظل نجاحها في الحفاظ على قدر من الاستقرار مقارنة ببناطق أخرى في الصومال.
ويعتقد مراقبون أن الجدل الحالي قد يعيد فتح ملف الاعتراف بأرض الصومال على المستوى الإقليمي والدولي، خصوصاً إذا قررت إثيوبيا المضي قدماً في تعزيز علاقاتها مع هرجيسا، سواء من خلال ترتيبات اقتصادية أو أمنية جديدة.
لكن في الوقت نفسه، فإن أي تحرك إثيوبي في هذا الاتجاه سيواجه تحديات كبيرة، أبرزها رفض الحكومة الصومالية، وحساسية ملف الحدود والسيادة في منطقة القرن الأفريقي، إضافة إلى المخاوف الدولية من أن يؤدي الاعتراف بأرض الصومال إلى خلق سابقة قد تشجع حركات انفصالية أخرى في القارة الأفريقية.
وبينما تتواصل النقاشات حول مفهوم “الاعتراف التشغيلي”، تؤكد أرض الصومال أن القضية بالنسبة لها تتجاوز المصطلحات الدبلوماسية، وتتمحور حول الاعتراف بما تعتبره “واقعاً سياسياً قائماً” منذ أكثر من ثلاثين عاماً.










