قرار الحكومة الإسرائيلية الاعتراف بمذابح الأرمن عام 1915 يفتح الباب أمام تقارب محتمل بين إسرائيل وأرمينيا، وسط غضب تركي وأذربيجاني، وتساؤلات حول ما إذا كان التحرك يحمل أبعادًا أخلاقية أم حسابات سياسية مرتبطة بتغيرات المنطقة.
تل أبيب- المنشر الاخبارى
في خطوة وُصفت بأنها نقطة تحول في العلاقات بين إسرائيل وأرمينيا، أقرت الحكومة الإسرائيلية اعترافًا رسميًا بمذابح الأرمن التي وقعت خلال الحكم العثماني عام 1915، في قرار قد يعيد رسم خريطة التحالفات في منطقة القوقاز، لكنه في الوقت نفسه أثار اعتراضات حادة من تركيا وأذربيجان.
وجاء القرار بعد عقود من الجدل داخل إسرائيل بشأن الاعتراف بما تصفه أرمينيا بأنه “إبادة جماعية” راح ضحيتها نحو 1.5 مليون أرمني خلال الحرب العالمية الأولى، حيث كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتجنب اتخاذ موقف رسمي خشية الإضرار بعلاقاتها مع تركيا، التي ترفض استخدام مصطلح الإبادة وتؤكد أن الأحداث كانت جزءًا من اضطرابات الحرب العالمية الأولى.
لكن التحولات السياسية الأخيرة دفعت الملف إلى الواجهة مجددًا، بعدما صوتت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع على الاعتراف، في خطوة من المتوقع أن تنتقل إلى الكنيست لإقرارها بشكل نهائي، ما قد يجعل إسرائيل واحدة من الدول التي تتبنى هذا الموقف رسميًا.
ولم يكن القرار بعيدًا عن الحسابات الجيوسياسية، إذ تأتي الخطوة في ظل تغيرات في علاقة إسرائيل بتركيا، إضافة إلى توتر العلاقات بين يريفان وباكو بسبب النزاعات السابقة حول إقليم ناغورني قره باغ، ودور إسرائيل في تزويد أذربيجان بأسلحة خلال السنوات الماضية.
وترى شخصيات من الجالية اليهودية في أرمينيا أن الاعتراف الإسرائيلي يحمل قيمة رمزية كبيرة، معتبرين أن الشعبين الأرمني واليهودي يشتركان في تجارب تاريخية مرتبطة بالمجازر والاضطهاد.
وقال ناشطون يهود في يريفان إن الاعتراف يمثل “تصحيحًا تاريخيًا”، لكنه جاء متأخرًا بسبب اعتبارات سياسية، مشيرين إلى أن إسرائيل لطالما تعاملت مع القضية من منظور علاقتها بتركيا أكثر من منظورها التاريخي.
في المقابل، أثار القرار غضب أنقرة وباكو، حيث اعتبرت تركيا الخطوة ذات دوافع سياسية، وطالبت إسرائيل بالتراجع عنها، بينما حذرت أذربيجان من تأثيرها على العلاقات الثنائية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الأرمنية الإسرائيلية محاولات لإعادة بناء جسور جديدة، حيث بدأت وفود إسرائيلية بزيارة أرمينيا لتعزيز التعاون الثقافي والاقتصادي، كما يجري العمل على إنشاء مؤسسات تهدف إلى دعم الاستثمار والتبادل التجاري بين البلدين.
ويرى مراقبون أن التقارب بين تل أبيب ويريفان قد يرتبط أيضًا بتغير موازين القوى في المنطقة، خاصة مع تراجع أهمية بعض التحالفات التقليدية لإسرائيل، واحتمالية إعادة تقييم علاقاتها مع دول مثل أذربيجان، التي شكلت خلال السنوات الماضية شريكًا استراتيجيًا مهمًا بسبب موقعها الجغرافي ومواردها النفطية وقربها من إيران.
وقال محللون إن إسرائيل قد تجد في أرمينيا شريكًا جديدًا في مجالات التكنولوجيا والطاقة والزراعة، خاصة مع نمو قطاع التكنولوجيا الأرميني ووجود شركات دولية كبرى في البلاد.
لكن رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان تعامل بحذر مع القرار الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن بلاده لا تريد تحويل قضية الإبادة الأرمنية إلى أداة سياسية، في وقت تسعى فيه إلى تحسين علاقاتها مع تركيا وأذربيجان بعد سنوات من الصراع.
ويرى بعض السياسيين الأرمن أن توقيت الاعتراف الإسرائيلي قد يقلل من تأثيره الرمزي، لأنه يأتي في سياق تنافس إقليمي واسع وليس فقط بدافع تاريخي.
وقال محللون إن مستقبل العلاقات بين إسرائيل وأرمينيا سيتوقف على قدرة الطرفين على تحويل الاعتراف السياسي إلى تعاون عملي، خاصة في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والسياحة، بعيدًا عن الحسابات المرتبطة بالصراعات الإقليمية.
وفي الداخل الإسرائيلي، أثار القرار نقاشًا واسعًا بين مؤيدين اعتبروه خطوة أخلاقية طال انتظارها، ومعارضين رأوا أنه قد يستخدم كورقة سياسية في مواجهة تركيا وأذربيجان.
ومع استمرار التغيرات في خريطة التحالفات بالشرق الأوسط والقوقاز، قد يمثل الاعتراف الإسرائيلي بإبادة الأرمن بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين القدس ويريفان، لكنها مرحلة محاطة بحسابات معقدة بين التاريخ والسياسة والمصالح الاستراتيجية.










