انتهاء مهلة المراجعة الأمريكية يحرر اتفاق F110 ويمنح مشروع المقاتلة الوطنية التركية دفعة جديدة وسط صراع النفوذ بين واشنطن وموسكو
واشنطن – المنشر_الاخباري
بعد سنوات من التوترات والقيود التي ضربت التعاون الدفاعي بين واشنطن وأنقرة، حصل برنامج المقاتلة التركية الوطنية “KAAN” على دفعة قوية بعدما تجاوزت صفقة محركات أمريكية الصعوبات السياسية داخل الولايات المتحدة، لتقترب تركيا خطوة جديدة من تطوير مقاتلتها القتالية المتقدمة.
وانتهت فترة المراجعة القانونية التي يمنحها الكونغرس الأمريكي لصفقات الأسلحة مع الدول الحليفة، دون نجاح محاولات عرقلة بيع محركات F110 من إنتاج شركة “جنرال إلكتريك” إلى تركيا، وهو ما يفتح الطريق أمام بدء المفاوضات التجارية والفنية لتنفيذ الاتفاق.
ويُنظر إلى الصفقة باعتبارها أكثر من مجرد اتفاق تقني، إذ تمثل اختبارًا جديدًا لطبيعة العلاقة بين واشنطن وأنقرة، خاصة بعد سنوات من الخلافات التي وصلت إلى ذروتها بسبب شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 واستبعادها من برنامج المقاتلة الأمريكية المتطورة F-35.
نهاية معركة داخل الكونغرس
بدأت الإجراءات الحالية بعد إخطار وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس رسميًا بالصفقة في 24 يونيو 2026، لتبدأ فترة مراجعة مدتها 15 يومًا تسمح للمشرعين بمحاولة وقف عملية البيع.
وخلال هذه الفترة، تحرك عدد من النواب الأمريكيين للاعتراض على الصفقة، وعلى رأسهم النائبة دينا تيتوس، التي قادت محاولة لإصدار قرار يمنع نقل المحركات إلى تركيا، بدعم من عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ.
واستند المعارضون إلى سجل الخلافات السابقة مع أنقرة، خصوصًا قرار تركيا شراء منظومة S-400 الروسية، إضافة إلى مخاوف مرتبطة باستخدام التكنولوجيا العسكرية الأمريكية.
لكن التحرك لم يصل إلى مرحلة التصويت داخل الكونغرس، وانتهت المهلة القانونية دون اتخاذ أي إجراء يمنع الصفقة، ما سمح بانتقالها إلى المرحلة التنفيذية.
وبموجب القوانين الأمريكية، فإن إلغاء صفقة دفاعية يتطلب موافقة مجلسي النواب والشيوخ على قرار مشترك ثم الحصول على توقيع الرئيس، وهو ما لم يحدث.
محرك أمريكي لقلب موازين القوة الجوية التركية
تتمحور الصفقة حول محركات F110-GE-129E/F التي ستُستخدم في برنامج المقاتلة التركية “KAAN”، وهي مشروع استراتيجي تسعى أنقرة من خلاله إلى بناء قدرة جوية مستقلة وتقليل اعتمادها على الطائرات الأجنبية.
ويعد المحرك أحد أهم عناصر أي مقاتلة حديثة، إذ يؤثر بشكل مباشر على سرعتها وقدرتها على المناورة وحمولتها القتالية ومدى عملياتها.
ولا تقتصر الاتفاقية على توريد المحركات فقط، بل تشمل أيضًا نقل معلومات تقنية، وخدمات هندسية، ودعمًا فنيًا يساعد تركيا على دمج المحركات داخل تصميم المقاتلة وإجراء الاختبارات اللازمة قبل دخولها الخدمة.
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مفاوضات تفصيلية بين وزارة الدفاع التركية والإدارة الأمريكية وشركة “جنرال إلكتريك” بشأن جداول التسليم، وعمليات التجميع، والتعديلات الفنية المطلوبة.
هل تعود أنقرة إلى دائرة الحلفاء العسكريين لواشنطن؟
يمثل تقدم الصفقة مؤشرًا على محاولة إعادة ضبط العلاقة الدفاعية بين تركيا والولايات المتحدة، بعد فترة طويلة من الجمود.
ففي السنوات الماضية، أدى قرار أنقرة شراء منظومة S-400 الروسية إلى أزمة غير مسبوقة مع واشنطن، حيث اعتبرت الولايات المتحدة أن المنظومة قد تشكل خطرًا على تقنيات حلف شمال الأطلسي، بينما رفضت تركيا التخلي عنها.
وتسبب الخلاف في إخراج تركيا من برنامج تطوير مقاتلات F-35، رغم كونها شريكًا صناعيًا في المشروع، وهو ما دفع أنقرة إلى تسريع برامجها المحلية، وعلى رأسها مقاتلة KAAN.
ويرى خبراء أن الموافقة على بيع محركات F110 لا تعني انتهاء جميع الخلافات، لكنها تعكس رغبة أمريكية في الحفاظ على علاقة استراتيجية مع تركيا داخل الناتو، خاصة مع تصاعد المنافسة الدولية على النفوذ العسكري في مناطق متعددة.
“KAAN” في مواجهة تحديات الاستقلال العسكري
رغم التقدم السياسي في ملف المحركات، لا يزال أمام مشروع KAAN تحديات كبيرة قبل دخوله مرحلة التشغيل الكامل.
فصناعة مقاتلة حديثة لا تعتمد فقط على المحرك، بل تحتاج إلى منظومات إلكترونية متقدمة، ورادارات، وبرمجيات قتالية، وقدرات تصنيع وصيانة معقدة.
وتسعى تركيا إلى تطوير معظم هذه المكونات محليًا ضمن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحويل البلاد إلى قوة دفاعية مستقلة قادرة على تصدير المعدات العسكرية.
وقد أصبح مشروع KAAN رمزًا للطموح التركي في تقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين، خصوصًا بعد الأزمات السياسية التي أثرت على صفقات الأسلحة خلال السنوات الماضية.
رسالة سياسية تتجاوز حدود الصفقة
ورغم الطابع الفني للاتفاق، فإن توقيت المضي فيه يحمل رسائل سياسية واضحة، إذ يأتي في مرحلة تسعى فيها واشنطن للحفاظ على تماسك تحالفاتها، بينما تحاول أنقرة تعزيز موقعها كقوة إقليمية مستقلة.
وبالنسبة لتركيا، فإن الحصول على المحركات الأمريكية يمثل انتصارًا مؤقتًا في معركة بناء مقاتلتها الوطنية، أما بالنسبة للولايات المتحدة، فهو اختبار لقدرتها على إدارة العلاقة مع حليف مهم رغم الخلافات العميقة.
ومع انتقال الصفقة إلى مرحلة المفاوضات، يبقى مستقبل التعاون الدفاعي بين البلدين مرتبطًا بقدرة واشنطن وأنقرة على تجاوز الملفات الخلافية التي ظلت لسنوات تعيق الشراكة العسكرية بينهما.










