ثروة تلمع وسط نيران الحرب.. الذهب السوداني يتحول من مصدر إنقاذ اقتصادي إلى ورقة صراع ونفوذ بين المتحاربين
الخرطوم- المنشر_الاخباري
أشعل قرار الاتحاد الأوروبي حظر استيراد الذهب السوداني ومنع تصدير المواد الكيميائية المستخدمة في عمليات التعدين جدلاً واسعاً حول الدور الذي يلعبه المعدن النفيس في تمويل الحرب الدائرة في السودان، وسط تساؤلات عن مدى قدرة العقوبات على تجفيف أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في بلد يعتمد اقتصاده بشكل كبير على عائدات الذهب.
ويأتي القرار الأوروبي في وقت أصبح فيه الذهب أحد أكثر الملفات حساسية في الصراع السوداني، بعدما تحول من مورد اقتصادي رئيسي إلى ساحة تنافس بين أطراف الحرب، وفي مقدمتها الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، اللذان يتصارعان على النفوذ والسيطرة على الموارد.
ومنذ انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان الخرطوم معظم عائداتها النفطية، أصبح الذهب شرياناً أساسياً للاقتصاد السوداني، إذ تعتمد عليه البلاد في توفير العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الأساسية، مثل الوقود والقمح والأدوية ومدخلات الزراعة والصناعة.
عقوبات أوروبية تستهدف شرياناً اقتصادياً
أعلن الاتحاد الأوروبي تشديد إجراءاته ضد السودان عبر حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب القادم من السودان، إلى جانب منع توريد الزئبق والسيانيد، وهما مادتان تستخدمان على نطاق واسع في عمليات استخراج الذهب.
وبرر الاتحاد الأوروبي قراره بأن تجارة الذهب أصبحت أحد مصادر التمويل التي تساعد على استمرار الحرب، مشيراً إلى أن السيطرة على عائدات التعدين باتت عاملاً مهماً في قدرة الجماعات المسلحة على شراء الأسلحة ودعم العمليات العسكرية.
كما شملت العقوبات منع تقديم الخدمات الفنية والمالية المرتبطة بأنشطة التعدين، في محاولة للضغط على شبكات التجارة غير الرسمية التي تنشط حول الذهب السوداني.
لكن خبراء اقتصاديين ومختصين في قطاع التعدين شككوا في قدرة القرار الأوروبي على إحداث تأثير مباشر، مؤكدين أن معظم الذهب السوداني لا يذهب أصلاً إلى الأسواق الأوروبية.
الذهب السوداني لا يصل إلى أوروبا
قال مسؤولون وخبراء في قطاع التعدين إن التأثير التجاري المباشر للعقوبات الأوروبية قد يكون محدوداً، لأن صادرات السودان من الذهب تتجه بشكل أساسي إلى أسواق أخرى، أبرزها الإمارات، إضافة إلى سلطنة عمان وقطر وتركيا ومصر وعدد من الدول الأفريقية.
وأوضح مختصون أن معظم المواد الكيميائية المستخدمة في التعدين، مثل الزئبق والسيانيد، يتم استيرادها من الأسواق الآسيوية وليس من دول الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن الحظر لن يؤدي بالضرورة إلى توقف عمليات التعدين.
وأشار خبراء إلى أن الخطر الأكبر قد لا يكون في توقف الصادرات، وإنما في زيادة صعوبة التعاملات المالية والتجارية، بسبب تشديد إجراءات التدقيق على منشأ الذهب وشهادات التصدير والتأمين والشحن.
وقد يدفع ذلك بعض الشركات العالمية إلى تجنب التعامل مع الذهب السوداني خشية العقوبات، حتى لو لم تكن مرتبطة مباشرة بالسوق الأوروبية.
اقتصاد الحرب وشبكات التهريب
تكمن صعوبة السيطرة على الذهب السوداني في طبيعة القطاع نفسه، إذ يعتمد جزء كبير من الإنتاج على التعدين التقليدي المنتشر في مناطق واسعة من البلاد، بعيداً عن الرقابة الحكومية.
وتشير تقديرات فنية إلى أن ما بين 48 و60% من إنتاج الذهب السوداني يمر عبر قنوات غير رسمية أو يتم تهريبه، ما يجعل تتبع مساره الحقيقي أمراً معقداً.
ويعمل نحو مليوني شخص في قطاع التعدين، خاصة في ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر، حيث تنتشر آلاف المناجم التقليدية التي يعتمد عليها السكان كمصدر رئيسي للدخل.
ويرى خبراء أن الذهب في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع يمثل أحد الملفات الأكثر إثارة للجدل، بسبب الاتهامات باستخدام عائداته في دعم العمليات العسكرية وشراء المعدات، بينما تؤكد جهات سودانية أن جزءاً كبيراً من تجارة الذهب يجري خارج سيطرة الدولة.
هل تنجح العقوبات في وقف تمويل الحرب؟
يرى محللون أن العقوبات الأوروبية قد تحمل رسالة سياسية أكثر من كونها إجراءً اقتصادياً قادراً على وقف تدفق الذهب، خصوصاً أن الأسواق البديلة لا تزال متاحة أمام المنتجين والمصدرين السودانيين.
وقال محللون إن الذهب السوداني يستطيع الوصول إلى الأسواق العالمية عبر دول وسيطة، حيث يمكن إعادة تصديره بشهادات منشأ مختلفة، وهو ما يقلل من قدرة العقوبات على التحكم الكامل في حركة التجارة.
وفي المقابل، يرى آخرون أن العقوبات قد تؤثر على سمعة الذهب السوداني وتزيد من تكلفة تصديره، خصوصاً إذا تبنت مؤسسات مالية وشركات دولية إجراءات أكثر تشدداً تجاه التعامل معه.
أرقام تكشف أهمية الذهب للسودان
تُظهر بيانات البنك المركزي السوداني أن الذهب أصبح أحد أهم مصادر الصادرات في البلاد، حيث بلغت صادرات السودان من المعدن النفيس خلال عام 2025 نحو 14.7 طن، بقيمة تجاوزت 1.5 مليار دولار.
ويمثل الذهب أكثر من نصف إجمالي صادرات السودان، ما يجعله عاملاً حاسماً في توفير النقد الأجنبي وتمويل الواردات.
وكان وزير المالية السوداني قد أعلن أن إنتاج الذهب خلال عام 2025 بلغ نحو 70 طناً، إلا أن الجزء الأكبر من الإنتاج لم يدخل القنوات الرسمية بسبب نشاط التعدين غير المنظم والتهريب.
معركة على الثروة خلف معركة السلاح
بينما تتركز المعارك العسكرية في السودان على السيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية، تدور في الخلفية معركة أخرى حول الموارد، وعلى رأسها الذهب الذي أصبح أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية للأطراف المتحاربة.
فالمعدن الذي كان يُنظر إليه كفرصة لإنقاذ الاقتصاد السوداني، تحول خلال سنوات الحرب إلى مصدر تمويل للصراع، وأصبح محوراً في الحسابات الإقليمية والدولية بشأن مستقبل السودان.
وبينما تراهن أوروبا على العقوبات لتجفيف مصادر تمويل الحرب، يرى خبراء أن الحل لا يكمن فقط في منع التجارة، بل في إعادة تنظيم قطاع التعدين، وفرض رقابة حقيقية على الإنتاج والتصدير، وإنهاء شبكات التهريب التي حولت ذهب السودان من ثروة وطنية إلى وقود لمعركة لا يبدو أن نهايتها قريبة.










