مع بدء تنفيذ أولى مراحل الاتفاق الإطاري الخاص بجنوب لبنان، تتحرك بيروت بين ضغوط دولية وتعقيدات داخلية، في محاولة لإعادة بسط سلطة الدولة وإنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية وسط خلافات حول الانسحاب الإسرائيلي ودور حزب الله.
بيروت – المنشر الإخباري
دخل الملف اللبناني مرحلة جديدة مع بدء الجيش اللبناني تنفيذ خطوات انتشار في جنوب البلاد، في إطار اتفاق إطاري يهدف إلى إعادة تثبيت سلطة الدولة على المناطق الحدودية ومعالجة أحد أكثر الملفات حساسية، وهو ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة.
وتزامنت هذه التطورات مع زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطوة اعتُبرت اختبارًا سياسيًا لقدرة لبنان على تقديم نفسه كشريك قادر على تنفيذ التزامات أمنية، خصوصًا في الجنوب الذي ظل لعقود ساحة مفتوحة للتوترات العسكرية.
وأعلن الجيش اللبناني بدء انتشاره في عدد من “المناطق التجريبية” جنوب البلاد، بينما أكد الرئيس عون أن بسط سيادة الدولة ونزع سلاح حزب الله هدف يمكن تحقيقه، لكنه شدد على أن ذلك يحتاج إلى ظروف سياسية وأمنية مناسبة، تبدأ باستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية وتعزيز قدرات الجيش اللبناني.
وقال عون إن احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم يتطلب أن يكون الجيش اللبناني الجهة الوحيدة المخولة بحماية البلاد، إلى جانب إطلاق عملية إعادة إعمار تقودها المؤسسات الرسمية وتوفر فرصًا اقتصادية واجتماعية تساعد على تثبيت الاستقرار.
وجاءت بداية الانتشار في بلدة زوطر الغربية، إحدى البلدات الثلاث المصنفة ضمن المناطق التجريبية، إلى جانب فرون وصريفا، حيث تنص الآلية على انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني ومنع أي وجود عسكري خارج مؤسسات الدولة.
إلا أن عملية الانتشار لم تخلُ من التوتر، بعدما أعلن الجيش اللبناني تعرض قواته لإطلاق نار من الجانب الإسرائيلي أثناء تنفيذ المهمة، في حين قال الجيش الإسرائيلي إنه أطلق طلقات تحذيرية بعد دخول عناصر لبنانيين إلى منطقة اعتبر أنها خارج نطاق المنطقة التجريبية المتفق عليها.
ويرى مراقبون أن نجاح هذا المسار لا يعتمد فقط على انتشار الجيش اللبناني، بل يرتبط بقدرته على فرض سيطرته الفعلية ومعالجة وجود البنى العسكرية التابعة لحزب الله، بما فيها مخازن الأسلحة والأنفاق والمنشآت العسكرية.
وقال خبراء إن التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية يتمثل في تحقيق توازن بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، ومنع تحول ملف السلاح إلى مواجهة لبنانية داخلية.
وأشار العميد اللبناني ناجي ملاعب إلى أن بدء تنفيذ المناطق التجريبية يمثل خطوة طال انتظارها، معتبرًا أن الجيش اللبناني أظهر قدرة على تحمل مسؤولياته الأمنية، وأن الدعم الأميركي المتزايد قد يشكل عاملًا مساعدًا في دفع العملية إلى الأمام.
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستتطلب تعاونًا بين الجيش اللبناني والقوى الدولية، سواء عبر قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” أو عبر ترتيبات أمنية أخرى، لضمان انتقال السيطرة الكاملة إلى الدولة.
من جهته، قال ماثيو ليفيت، مدير برنامج مكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إن جوهر الاتفاق يعتمد على آليات التنفيذ والتحقق، مشيرًا إلى أن نجاحه سيُقاس بقدرة الجيش اللبناني على تفكيك القدرات العسكرية للجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
وأضاف أن غياب إيران عن ترتيبات الاتفاق يمثل تحديًا إضافيًا، معتبرًا أن طهران قد تحاول التأثير على مسار التنفيذ بسبب علاقتها الوثيقة بحزب الله.
في المقابل، ترى الخبيرة الأمنية إيرينا تسوكرمان أن الدعم الأميركي للبنان قد يبقى محدودًا، وأن واشنطن قد تفضل خطوات تدريجية بدل ممارسة ضغوط مباشرة على الأطراف المختلفة.
وبينما تسعى الحكومة اللبنانية إلى تكريس صورة الدولة القادرة على استعادة قرارها، يبقى ملف سلاح حزب الله العقبة الأكبر أمام أي تحول سياسي وأمني شامل، وسط ترقب لما ستكشفه المرحلة المقبلة من قدرة لبنان على فرض سيادته وإنهاء عقود من ازدواجية القوة داخل البلاد.










