موسكو تمنع تداول صور وفيديوهات الأضرار الناتجة عن الهجمات الأوكرانية وسط تصاعد استهداف المنشآت الحيوية.. والإعلام الرسمي يركز على رواية الانتصارات بدلاً من مشاهد الدمار
موسكو- المنشر الإخباري
تتجه السلطات الروسية إلى تشديد القيود على نشر صور ومقاطع الفيديو التي توثق نتائج الضربات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، في خطوة تعكس تصاعد المعركة الإعلامية بالتوازي مع المواجهات العسكرية المستمرة بين موسكو وكييف.
وبحسب تقارير إعلامية ومصادر مؤيدة للجانب الأوكراني، فرض الكرملين عملياً حالة من التعتيم على مشاهد الأضرار الناتجة عن الهجمات، حيث غابت الصور والفيديوهات الرسمية التي توثق آثار الضربات الأخيرة، بما في ذلك الحريق الكبير الذي اندلع في مستودعات تابعة لشركة Wildberries في مدينة سان بطرسبورغ.
ومنذ الساعات الأولى للحادث، لم تنشر وسائل الإعلام الفيدرالية الروسية أو المنصات القريبة من الكرملين أي مشاهد مباشرة تظهر حجم الأضرار أو طبيعة الحريق، في نمط قالت مصادر إنه تكرر خلال هجمات سابقة استهدفت مستودعات ومنشآت تكرير النفط داخل روسيا.
اختفاء صور الأضرار من الإعلام الرسمي
لطالما شكلت الصور الميدانية جزءاً أساسياً من الحروب الحديثة، حيث أصبحت السيطرة على المشهد الإعلامي عاملاً مؤثراً في تشكيل الرأي العام الداخلي والخارجي.
وفي الحالة الروسية، يلاحظ مراقبون أن وسائل الإعلام الرسمية تركز بصورة أكبر على تغطية الضربات الروسية ضد الأراضي الأوكرانية، إلى جانب التقارير التي تتحدث عن نمو الاقتصاد الروسي واستمرار التقدم العسكري على الجبهات.
في المقابل، يتم تقليل مساحة التغطية المتعلقة بالأضرار التي تلحق بالبنية التحتية داخل روسيا، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بهجمات أوكرانية بطائرات مسيرة بعيدة المدى.
ويرى محللون أن هذا الأسلوب يهدف إلى تقليل التأثير النفسي للهجمات على المواطنين الروس، والحفاظ على صورة السيطرة والاستقرار التي تحاول الحكومة تقديمها للرأي العام.
الضربات الأوكرانية تصل إلى العمق الروسي
خلال الفترة الأخيرة، كثفت أوكرانيا استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف مواقع داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك منشآت مرتبطة بالطاقة والوقود والإمدادات العسكرية.
وتعتبر كييف أن هذه الهجمات جزء من استراتيجية تهدف إلى الضغط على القدرات اللوجستية الروسية وتقليص الموارد المستخدمة في العمليات العسكرية.
وشملت الهجمات السابقة منشآت نفطية ومصافي تكرير ومستودعات وقواعد عسكرية، ما دفع السلطات الروسية إلى اتخاذ إجراءات أمنية إضافية حول بعض المواقع الحيوية.
ورغم اعتراف السلطات الروسية في بعض الحالات بوقوع هجمات أو اندلاع حرائق، فإنها غالباً ما تقدم معلومات محدودة حول حجم الأضرار أو الخسائر الناتجة عنها.
رواية رسمية في مواجهة رواية الحرب
يرى خبراء الإعلام العسكري أن الصراع بين روسيا وأوكرانيا لم يعد يقتصر على ساحات القتال، بل تحول أيضاً إلى معركة حول المعلومات والصور.
فبينما تعتمد أوكرانيا على نشر مشاهد الضربات لإظهار قدرتها على الوصول إلى العمق الروسي، تحاول موسكو الحد من انتشار هذه الصور لمنع تحولها إلى رموز للضعف أو الاختراق الأمني.
وتشير التقارير إلى أن بعض المنصات الروسية غير الرسمية الموالية للكرملين اكتفت بالإشارة إلى وجود “دخان في السماء”، مؤكدة أن “سبب الدخان لا يزال غير معروف”، دون نشر تفاصيل أو صور واضحة للحادث.
ويعكس ذلك، بحسب مراقبين، محاولة لتقليل الاهتمام الشعبي بالحوادث الأمنية ومنع انتشار مشاهد قد تؤثر على المعنويات الداخلية.
مخاوف من تأثير الحرب على الداخل الروسي
مع استمرار الحرب لأكثر من عامين، أصبحت الهجمات داخل الأراضي الروسية عاملاً جديداً في المعادلة العسكرية والسياسية.
ففي بداية الحرب، ركزت موسكو على إبقاء المعارك بعيدة عن المدن الروسية الكبرى، إلا أن تطور قدرات الطائرات المسيرة الأوكرانية سمح بتنفيذ ضربات على مسافات أبعد.
وأدى ذلك إلى ظهور تحديات جديدة أمام السلطات الروسية، ليس فقط من الناحية الأمنية، ولكن أيضاً في كيفية إدارة رد فعل المواطنين تجاه الحرب.
ويعتقد محللون أن استمرار استهداف المنشآت الحيوية قد يفرض على الكرملين تحقيق توازن صعب بين الاعتراف بالتهديدات الأمنية واحتواء تأثيرها الإعلامي.
الرقابة كأداة لإدارة الحرب
منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، لعب الإعلام دوراً مركزياً في استراتيجية الطرفين، حيث تعتمد موسكو على خطاب يؤكد قوة الدولة واستقرار الاقتصاد واستمرار العمليات العسكرية وفق أهدافها المعلنة.
وفي المقابل، تسعى كييف إلى إبراز قدرة قواتها على ضرب مواقع داخل روسيا وإظهار أن الحرب لا تقتصر على الأراضي الأوكرانية.
ويرى خبراء أن القيود المفروضة على نشر صور الأضرار ليست مجرد إجراء إعلامي، بل جزء من إدارة أوسع للمعلومات خلال الحرب، حيث تصبح الصورة نفسها سلاحاً يمكن أن يؤثر على الروح المعنوية والضغط السياسي.
معركة طويلة على جبهة المعلومات
مع استمرار تبادل الضربات بين روسيا وأوكرانيا، يبدو أن السيطرة على الرواية الإعلامية ستظل واحدة من أهم ساحات الصراع.
ففي الوقت الذي تحاول فيه كييف استخدام مشاهد الهجمات لإثبات وصولها إلى أهداف داخل روسيا، تسعى موسكو إلى تقليل تأثير تلك المشاهد عبر الرقابة والحد من انتشارها.
وبين الدخان المتصاعد والصور الغائبة، تستمر معركة أخرى خلف الشاشات، حيث لا تقل أهمية السيطرة على المعلومات عن السيطرة على الأرض.










