شهدت تونس خروج نحو 2500 متظاهر في شارع الحبيب بورقيبة، وذلك احتجاجا على منظومة الحكم القائمة وتفاقم الأوضاع المعيشية والاقتصادية، بالتزامن مع إحياء الذكرى الخامسة “لاستئثار” الرئيس قيس سعيد بالسلطة وبدء الإجراءات الاستثنائية التي أقرت في 25 يوليو 2021.
وتزامنت هذه الاحتجاجات الشعبية مع موجة حر شديدة اجتاح البلاد، ورافقها انقطاعات متكررة ومتواصلة في التيار الكهربائي وأحيانا في مياه الشرب، مما أثار حالة من السخط والاحتقان الشديدين بين المواطنين. وردد المشاركون في التظاهرات هتافات من بينها: “الشعب يريد إسقاط النظام”، و”لا ضوء، لا ماء، الحبس والغلاء”، و”لا أحد سعيد إلا الرئيس سعيد”، إلى جانب المطالبة بالإفراج الفوري عن السجناء السياسيين ووقف التضييق على الحريات العامة.
مواقف المعارضة والمنظمات الحقوقية
أصدرت عدة أحزاب سياسية ومنظمات غير حكومية بيانات شديدة اللهجة في الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية وخمس سنوات من الحكم الفردي، منتقدة بشدة الحصيلة الكارثية للإدارة الحالية وتراجع مكاسب الثورة.
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أكدت أن الجمهورية لا يمكن أن تستقيم دون سيادة الشعب والتداول السلمي على السلطة وفصل السلطات. وأشارت إلى أن البلاد تعيش ظرفا وطنيا دقيقا، معتبرة أن فتح حوار جدي مع المكونات السياسية والمدنية وإطلاق سراح الموقوفين بسبب آرائهم يشكلان خطوة أولى لإعادة الثقة.
بينما رأت جبهة الخلاص الوطني أن الأزمة الراهنة هي نتيجة خيارات سياسية أدت إلى انسداد واسع وتراجع القدرة الشرائية وتفاقم البطالة والهجرة، مؤكدة ضرورة العودة إلى دولة المؤسسات وسيادة القانون.
كما وصف حزب العمال الأوضاع تحت منظومة الحكم الفردي بأنها أعادت البلاد إلى مربعات التفقير والتبعية، منتقدا تدهور المقدرة الشرائية وانهيار الدينار وغياب الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والأدوية.
ودعا حزب التيار الديمقراطي السلطة إما إلى إجراء إصلاحات عميقة وفورية وتشكيل حكومة مستقلة لوقف النزيف الاقتصادي والاجتماعي، وإما الاعتراف بعدم القدرة على إدارة البلاد وفسح المجال لمسار انتقالي توافقي.
وفيما اعتبرت حركة النهضة الإخوانية أن تركيز السلطة في يد واحدة أدى إلى تفكيك منظومة التوازن الدستوري وتعطيل المؤسسات، مشددة على أن الأولويات الوطنية العاجلة تتمثل في إطلاق سراح المعتقلين السياسيين واستقلال القضاء، وتهيئة مناخ لحوار وطني جامع يفضي إلى برنامج إنقاذ اقتصادي.
الخلفية السياسية والسيناريوهات المحتملة
تعود جذور الأزمة الحالية إلى 25 يوليو 2021، حين أعلن الرئيس قيس سعيد تجميد البرلمان وحل الحكومة وإصدار تدابير استثنائية ودستور جديد يوسع صلاحياته التنفيذية، وهو ما اعتبره مؤيدوه “تصحيحا للمسار” ومحاربة للفساد، بينما وصفته المعارضة بـ”الانقلاب” الذي أفضى إلى تراجع الحريات واعتقال عدد من الشخصيات السياسية والصحفيين والمحامين.
ورغم اتساع رقعة الاحتقان الاجتماعي وتصاعد الاحتجاجات الشعبية مدفوعة بأزمة اقتصادية عميقة تشمل ارتفاع التضخم وتراجع نسب النمو والمديونية، يرى المراقبون أن النظام لا يزال يمتلك القدرة على إدارة الأزمات، في ظل ولاء المؤسسات الأمنية والعسكرية نسبيا وتشتت قوى المعارضة. وتظل التطورات المستقبلية مرهونة بمدى تفاقم الضغوط المعيشية واحتواء السلطة للغضب الشارع أو جنوحها نحو مزيد من التصعيد.










