واشنطن- المنشر_الاخباري
أثار اللقاء الأخير بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن جدلًا واسعًا بعد أن جاء مختلفًا بشكل واضح عن الاجتماعات السابقة بين الزعيمين، التي كانت عادةً مليئة بالمظاهر البروتوكولية والصور العلنية والتصريحات الحماسية أمام وسائل الإعلام.
ووفقًا لتحليل نشرته صحيفة جيروزاليم بوست، فإن الاجتماع الثامن بين نتنياهو وترامب منذ عودة الأخير إلى البيت الأبيض لم يحمل نفس المشهد الذي اعتادت عليه إسرائيل خلال السنوات الماضية. فلم يكن هناك استقبال رسمي أمام الكاميرات، ولا مصافحة مطولة أمام الصحفيين، كما لم يُسمح لوسائل الإعلام بحضور اللقاء الداخلي، إضافة إلى غياب الاجتماع الثنائي المغلق الذي كان يُعد علامة على التقارب الشخصي بين الطرفين.
ورغم أن البيانين الصادرين عن الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية استخدما العبارات نفسها، ووصفا اللقاء بأنه كان “إيجابيًا ومثمرًا”، يرى محللون أن التركيز على هذه العبارات قد يعكس وجود حاجة إلى التأكيد على قوة العلاقة، خصوصًا في ظل وجود مؤشرات على تغيرات في طريقة تعامل واشنطن مع ملفات الشرق الأوسط.
وقال يعقوب كاتس، الباحث في معهد السياسة للشعب اليهودي والكاتب السابق في جيروزاليم بوست، إن مجرد التأكيد المتكرر على أن الاجتماع كان “إيجابيًا” قد يكون مؤشرًا على أن الجانب الإسرائيلي كان يتوقع مواجهة أكثر صعوبة. وأضاف أن نتنياهو لم يتعرض لما وصفه البعض بـ”معاملة زيلينسكي”، في إشارة إلى اللقاءات المتوترة التي شهدها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع ترامب، لكنه في المقابل لم يحصل بالضرورة على كل ما كان يريده من الزيارة.
ويشير التقرير إلى أن أحد أبرز الأسئلة المطروحة داخل إسرائيل يتعلق بمكانتها في الترتيبات الإقليمية الجديدة. فبينما ترى الحكومة الإسرائيلية أن التعاون العسكري الأمريكي والضغط على إيران يمثلان نجاحًا استراتيجيًا، يرى منتقدون أن إسرائيل قد تواجه خطر فقدان جزء من نفوذها السياسي إذا بدأت واشنطن في بناء علاقات إقليمية جديدة بعيدًا عن الدور الإسرائيلي التقليدي.
ومن بين التطورات التي أثارت الانتباه، بحسب التقرير، حصول قادة دول أخرى في المنطقة على استقبال رسمي أكثر وضوحًا في واشنطن. فقد أشار كاتس إلى أن رئيس لبنان حصل على استقبال رسمي أمام الكاميرات، بينما عقد رئيس الوزراء العراقي لقاءً في المكتب البيضاوي بحضور إعلامي، في وقت يجري فيه تشكيل ترتيبات إقليمية مرتبطة بمواجهة النفوذ الإيراني.
ويرى كاتس أن عدم إشراك إسرائيل في بعض هذه المسارات قد يكون رسالة سياسية، وأن الولايات المتحدة قد تكون بصدد إعادة صياغة علاقاتها في المنطقة بطريقة تعتمد أكثر على شبكة واسعة من الشركاء بدل الاعتماد على حليف واحد فقط.
في المقابل، يطرح مسؤولون إسرائيليون ومؤيدون للحكومة وجهة نظر مختلفة، مؤكدين أن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة إيران وحلفائها، وأن واشنطن لا تزال تعتمد على إسرائيل باعتبارها القوة العسكرية الأكثر قدرة في المنطقة. ويقول هؤلاء إن الضغوط الأمريكية على طهران، والعقوبات، والتحركات العسكرية، كلها دليل على استمرار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
لكن كاتس يرى أن التركيز على النجاحات العسكرية فقط قد يخفي تحديات سياسية أكبر. وأوضح أن إسرائيل تحتاج إلى النظر إلى الصورة الأوسع، بما في ذلك علاقتها بالدول العربية، ومستقبل التحالفات الإقليمية، ومدى قدرتها على الحفاظ على موقعها السياسي في ظل تغير أولويات الولايات المتحدة.
كما تناول التقرير الجدل المتعلق بالمفاوضات في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى تصريحات مسربة للسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام انتقد فيها بعض المسؤولين المشاركين في إدارة الملفات الإقليمية. وأثارت هذه التصريحات نقاشًا حول مدى فعالية الطريقة التي تُدار بها المفاوضات المتعلقة بالشرق الأوسط، خصوصًا في الملفات الحساسة مثل إيران وغزة ولبنان.
ومن النقاط التي أثارت جدلًا أيضًا إعلان نتنياهو السابق أن الحرب التي استمرت 12 يومًا ضد إيران كانت “انتصارًا للأجيال”. ويتساءل منتقدون، وفق التقرير، عن سبب استمرار الحاجة إلى مواجهات جديدة بعد فترة قصيرة إذا كان الانتصار بالفعل طويل الأمد ويغير قواعد اللعبة.
ويرى محللون أن هذا السؤال سيصبح جزءًا من النقاش السياسي الداخلي في إسرائيل قبل الانتخابات المقبلة، حيث سيطالب الناخبون الحكومة بتوضيح نتائج السياسات التي اتبعتها خلال السنوات الماضية، سواء فيما يتعلق بالأمن، أو العلاقات الدولية، أو الوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي.
وفي النهاية، يعكس الاجتماع الأخير بين نتنياهو وترامب مرحلة جديدة من العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، لا تعني بالضرورة انهيار التحالف، لكنها تشير إلى أن شكل العلاقة قد يكون في طور التحول. فإسرائيل ما زالت حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة، لكن واشنطن تبدو أكثر اهتمامًا ببناء توازنات إقليمية متعددة الأطراف.
ويبقى السؤال الأساسي: هل ستتمكن إسرائيل من الحفاظ على موقعها المركزي في النظام الإقليمي الجديد، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد توزيعًا مختلفًا للنفوذ بين الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط؟










