أقرت لجنة العدل في البرلمان التركي، بالتصويت، مشروع قانون “تعزيز الوحدة المجتمعية والدعم الوطني” (المعروف أيضا بمشروع قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي) المقدم في إطار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، وذلك بعد اجتماع مطول وماراثوني استمر لمدة 17 ساعة متواصلة تميز بالنقاش الحاد والجدال السياسي الواسع بين مختلف الكتل البرلمانية، على أن يحال المشروع رسميا إلى الجمعية العامة للبرلمان بعد انقضاء 48 ساعة.
كواليس الاجتماع الماراثوني وجدال الـ 17 ساعة
بدأت مناقشة مشروع القانون الإطاري في لجنة العدل بالبرلمان في تمام الساعة الثالثة والنصف من مساء أول أمس، وسط اهتمام إعلامي وسياسي بالغ، وحمل المشروع توقيعات مشتركة من عدة أحزاب سياسية رئيسية شملت حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية، وحزب الديمقراطية والمساواة، بالإضافة إلى توقيعات منفردة من حزب الشعب الجمهوري، وحزب هدى بار، وحزب يني يول. وبعد مخاض عسير ونقاشات متواصلة لم تتوقف، أقرت اللجنة مشروع القانون في تمام الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي.
ورغم إقرار القانون الإطاري، فقد تصدرت شعارات ومواقف سياسية تعكس حالة الانقسام، ولخصتها تعبيرات بعض النواب بالقول: “لقد تم إقرار القانون، لكن الديمقراطية لم تتحقق بالكامل”.
وشهدت الجلسات توترات متكررة وارتفاعا حادا في نبرة الحوار بين نواب الائتلاف الحاكم وأحزاب المعارضة التي رأت أن الخطوة ناقصة ولا تلامس جذور المشاكل الديمقراطية الهيكلية في البلاد.
توترات حادة ورفض مقترحات المعارضة الديمقراطية
تصاعدت حدة التوترات مرارا وتكرارا خلال مناقشات بنود المقترح؛ حيث انتقد مراد أمير، نائب رئيس كتلة الحزب “الجديد”، الإجراءات الحكومية، مؤكدا في كلمته أمام اللجنة أن المقترح أعد على عجل ويحتوي على أخطاء جسيمة، فضلا عن إثارته لمخاوف حقيقية بشأن مدى فعاليته في تحقيق هدف القضاء التام على الإرهاب.
وانتقد أمير بشدة غياب خطوات الإصلاح الديمقراطي الفعلية في نص المقترح، متسائلا عن الجدوى من تأجيل الحديث عن الحريات والديمقراطية إلى ما بعد إسكات البنادق.
كما تطرق النقاش إلى ملف رؤساء البلديات المنتخبين والإجراءات المتخذة ضدهم، والتي وصفها بعض النواب بـ”الانقلاب”، مشيرين إلى الجدل الدائر حول القيادات السياسية المسجونة مثل صلاح الدين دميرتاش، الأمر الذي أثار ردود فعل متباينة ومشادة كلامية بين النواب بشأن استغلال الأسماء السياسية في النقاشات الحزبية.
وفي سياق متصل، نشب خلاف إداري وتنظيمي حاد بين النائب عن حزب “إيي” في تشاناكالي، رضوان أوز، ورئيس المفوضية، جونيت يوكسل، حول آليات إدارة الجلسة ومنح الكلمة للنواب الذين لم يتحدثوا بعد، مما كاد أن يتطور إلى اشتباك لولا تدخل النواب لفض التوتر وتهجئة الأجواء.
كما اندلع نزاع سياسي ولفظي آخر بين نواب حزب “إيي” ونواب حزب الحركة القومية على خلفية تقييمات تاريخية وسياسية لرموز الحركة القومية والسياسة المعاصرة، رافقته ضربات على الطاولات واحتكاكات ميدانية داخل القاعة تم السيطرة عليها في اللحظات الأخيرة.
رفض مقترحات المعارضة وإقرار القانون بالإجماع البرلماني النسبي
خلال جلسات النقاش، تقدم حزب “الجديد” وعدة أحزاب معارضة بسلسلة من التعديلات والمقترحات الجوهرية لتعزيز الصبغة الديمقراطية للمشروع، تضمنت مقترحات بتغيير اسم القانون ليصبح “مشروع قانون تعزيز التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية والاندماج الاجتماعي”، وإضافة بنود صريحة تتعلق بالإدارات المحلية، والنظام القضائي والتنفيذي، والحقوق والحريات العامة. كما شملت المقترحات المرفوضة مطالب بإلغاء جريمتي “نشر معلومات مضللة علنا” و”إهانة الرئيس”، وإنهاء ممارسة تعيين الأمناء الحكوميين بدلا من المنتخبين في البلديات.
وعلى الرغم من رفض هذه المقترحات المعارضة، وفي ختام المناقشات الطويلة، صوت حزب “نيو” والأحزاب الموقعة على المقترح بالموافقة النهائية على القانون الإطاري. وبذلك، حظي المشروع بتصويت إيجابي من أحزاب العدالة والتنمية، والحركة القومية، وحزب الديمقراطية والمساواة، وحزب “نيو”، وحزب الشعب الجمهوري.
موقف حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)
في أعقاب إقرار المشروع، عقدت المتحدثة باسم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، عائشة غول دوغان، مؤتمرا صحفيا في المقر العام للحزب، استعرضت خلاله تفاصيل ودلالات مشروع القانون الإطاري المقدم إلى رئاسة البرلمان.
وأوضحت دوغان أن هذه هي المرة الأولى التي يضع فيها حزبها توقيعه رسميا على مشروع قانون من هذا النوع، معتبرة أن الخطوة وضعت اللبنات الأولى من أجل مستقبل مشترك وحياة ديمقراطية حقيقية في تركيا.
وأضافت أن القانون يمثل الخطوة الأولى للانتقال الحقيقي من أرضية الصراع المسلح إلى أرضية السياسة الديمقراطية وسيادة القانون، مؤكدة أن مسار السلام يتطلب التقدم مرحلة تلو الأخرى دون مبالغة مفرطة أو تقليل مجحف من شأن الإنجازات رغم وجود بعض النواقص.
وأشارت عائشة غول دوغان إلى أن القانون لا يحل القضية الكردية بشكل كامل بمفرده، حيث يظل الحل مرتبطا بالنضال السياسي المستمر، إلا أنه يفتح بابا استراتيجيا هاما يمكن البناء عليه مستقبلا.
كما شددت على ضرورة إنشاء هيئات متابعة برلمانية لضمان الشفافية، واستحضار رسائل القائد عبدالله أوجلان باعتباره فاعلا أساسيا في هذه العملية، مع ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لتنسيق الجهود ودفع عملية السلام قدما نحو آفاق أوسع تجمع كافة أطياف المجتمع التركي.










